فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الإمام السجاد وريث الأنبياء :
ولأن الإمام زيــن العابدين (ع) ورث عن جده النبي المصطفى ( عليه وآله الصلاة والسلام ) دور الأنبياء ، فإن الحكمة الأولى لإمامته هي ذات الحكمة الأولى في رسالة الأنبياء ، ابتلاء الناس بعد دعوتهم إلى اللـه ، وكانت سائر الأهداف السامية - كإقامة القسط ونصرة المظلومين - في امتداد تلك الحكمة ، أي أنها تتفرع منها وتأتي بعدها .
ولقد تسنَّت لسائـر أئمة الهدى (ع) الظروف للقيام بتلك الأهداف المتدرجة ، وبالذات الهدف السياسي ، كما فعل الإمام علي (ع) عندما نهض بأعباء الحرب ضد قريش مرتين ، مرة في عهد النبي وتحت لوائه ، ومرة بعد النبي وتحت لواء الرسالة الحنفية وبرفقة أصحاب النبي (ص) . وهكذا نجله الإمام الحسن (ع) . حيث نهض هو الآخر بأعباء الحرب ضد معاوية ، ثم أوقف الحرب لمصلحة المسلمين . وكذلك الإمام الحسين (ع) حيث قاوم معاوية بالسبل السلمية ، وقام ضد ابنه يزيد بالسيف حتى استُشهد مظلوماً .
وهكذا قام سائر الأئمة بأدوار سياسية ، وبوسائل غير مباشرة ، وبدرجات مختلفة .
بينما الظروف العامة كانت تناسب تمخض الإمام السجاد (ع) تقريباً في الدعوة الربانية ، حسبما نبين ذلك في مناسبة أخرى إن شاء اللـه تعالى .
وبذلك كانت حياة الإمام السجاد قطعة مشرقة بنور ربِّه .. وكانت تجلياً باهراً للإيمان الخالص باللـه ، وللهيام الشديد باللـه ، وللعبادة والتبتل .
وحينما نقرأ معاً صفات الإمام على لسان نجله الإمام الباقر (ع) ، نعرف ماذا تعني ولاية اللـه ، وولاية أوليائه ، ولماذا التأكيد عليها ، وكيف كانت حياة السجاد شلال نور إلهي . يقول نجله الإمام الباقر (ع) : " كان علي بن الحسين (ع) يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، كما كان يفعل أمير المؤمنين (ع) . كانت له خمسمائة نخلة . فكان يصلي عند كل نخلة ركعتين ، وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر ، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية اللـه عزَّ وجلَّ ، وكان يصلي صلاة مودِّع يرى أنه لا يصلي بعدها أبداً ، ولقد صلَّى ذات يوم فسقط الرداء عن أحد منكبيه فلم يسوِّه حتى فرغ من صلاته ، فسأله بعض أصحابه عن ذلك ، فقال : ويحك أتدري بين يدي مَن كنت ؟. إنَّ العبد لا يُقبل من صلاته إلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه . فقال الرجل : هلكنا ، فقال : كلاَّ .. إن اللـه عزَّ وجلَّ متمم ذلك بالنوافل وكان (ع) لَيخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره ، وفيه الصرر من الدنانير والدراهم وربما حمل على ظهره الطعام أو الحطب ، حتى يأتي باباً باباً فيقرعه ، ثم يناول مَن يخرج إليـه . وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه . فلما توفي (ع) فقدوا ذلك ، فعلموا أنه كان علي بن الحسين (ع) . ولما وُضع (ع) على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل رُكَبِ الإبل . مما كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين . ولقد خرج ذات يوم وعليه مطرف خز فتعرض له سائل فتعلّق بالمطرف فمضى وتركه ، وكان يشتري الخزَّ في الشتاء ، إذا جاء الصيف باعه فتصدق بثمنه ، ولقد نظر (ع) يوم عرفة إلى قوم يسألون الناس ، فقال : ويحكم أغير اللـه تسألون في مثل هذا اليوم ، إنّه ليُرجى في هذا اليوم لِمَا في بطون الحبالى أنْ يكون سعيداً ؟. ولقد كان (ع) يأبى أن يؤاكل أُ‎مَّه ، فقيل له : يابن رسول اللـه أنت أبرُّ الناس وأوصلَهم للرحم ، فكيف لا تؤاكل أمَّك ؟ فقال : إني أكره أنْ تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه . ولقد قال له رجل : يابن رسول اللـه إني لأحبُّك في اللـه حبّاً شديداً ، فقال : اللـهم إني أعوذ بك أن أُحبَّ فيك وأنت لي مبغض . ولقد حج على ناقة له عشرين حجة فما قرعها بسوط ، فلما نفقت 10 أمر بدفنها لئلا يأكلها السباع . ولقد سئلت عنه مولاة له فقالت : أُطنب أو اختصر ؟ فقيل لها : بل اختصري ، فقالت : ما أتيته بطعام نهاراً قط ، وما فرشت له فراشاً بليلٍ قط . ولقد انتهى ذات يوم إلى قوم يغتابونه فوقف عليهم ، فقال لهم : إن كنتم صادقين فغفر اللـه لي ، وإن كنتم كاذبين فغفر اللـه لكم . وكان (ع) إذا جاءه طالب علم فقال : مرحباً بوصيِّ رسول اللـه (ص) . ثم يقول : إن طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجلَيه على رَطب ولا يابس من الأرض ، إلاّ سبَّحت له إلى الأرضين السابعة ، ولقد كان يعول مئة أهل بيت من فقراء المدينة . وكان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والأضرار والزّمنى والمساكين الذين لا حيلة لهم . وكان يناولهم بيده ، ومن كان له منهم عيال حمل له إلى عياله من طعامه ، وكان لا يأكل طعاماً حتى يبدأ فيتصدق بمثله . ولقد كان تسقــــط منه كل سنة سبع ثفنات من مواضع سجوده لكثرة صلاته ، وكان يجمعها ، فلما مات دُفنت معـــه . ولقد بكى على أبيه الحسين (ع) عشرين سنة ، وما وضُع بين يَديه طعام إلاّ بكى ، حتى قال له مولى له : يابن رسول اللـه أَمَا آن لِحُزنك أن ينقضي ؟. فقال له : ويحك ، إن يعقوب النبيَّ (ع) كان له اثني عشر ابناً فغيَّب اللـه عنه واحداً منهم ، فابيضَّت عيناه من كثرة بكائه عليه ، وشاب رأسه من الحزن ، واحدودب ظهره من الغم ، وكان ابنه حيّاً في الدنيا وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني ؟. " 11
وقد زخرت كتب التاريخ بكرامات الإمام 12 ولا عجب فإن إماماً هذه صفاته ، يكرمه اللـه بفضله ، أولم يكرم اللـه عباده الصالحين باستجابة دعواتهم ؟
وقد قال سبحانه : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (غافر/60) .
فكيف لا يستجيب لمن ذاب في حب ربه حتى خشي عليه الهلاك من شدة العبادة . ولننظر معاً في الرواية التالية ثم نقيسها بما نعرفه من قصص القرآن حول الصالحين من عباد اللـه ، نرى أنهما نبعان من عين واحدة .
عن إبراهيم بن أدهم وفتح الموصلي ، قال كل واحد منهما : كنت أسيح في البادية مع القافلة ، فعرضت لي حاجة فتنحيت عن القافلة ، فإذا أنا بصبي يمشي ، فقلت : سبحان اللـه بادية بيداء وصبي يمشي ؟. فدنوت منه وسلَّمت عليه ، فردّ عليَّ السلام . فقلت له : إلى أين ؟. قال : أريد بيت ربِّي . فقلت : حبيبي ، إنك صغير ليس عليك فرض ولا سنَّة . فقال : يا شيخ ما رأيت من هو أصغر سنّاً مني مـــات ؟ فقلت : أين الزاد والراحلة ؟ فقال : زادي تقواي ، وراحلتي رجلاي ، وقصدي مولاي . فقلتُ : ما أرى شيئاً من الطعام معك ؟ فقال : يا شيخ هل يستحسن أن يدعوك إنساناً إلى دعوة فتحمل من بيتك الطعام ؟. قلت : لا ، قال : الذي دعاني إلى بيته هو يطعمني ويسقيني . فقلت : ارفع رجلك حتى تدرك 13 فقال : عليَّ الجهاد ، وعليه الإبلاغ . أما سمعت قوله تعالى :
{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإِنَّ اللـه لَمَعَ الْمُـحْسِنِينَ } (العنكبوت/69) .
قــــال : فبينما نحن كذلك إذ أقبل شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض حسنة ، فعانق الصبي وسلَّم عليه . فأقبلتُ على الشاب وقلت له : أسألك بالذي حَسَّن خلقك مَن هذا الصبي ؟ فقال : أما تعرفه ؟ هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . فتركت الشاب وأقبلت على الصبي ، وقلت : أسألك بآبائك مَن هذا الشاب ؟ فقال : أما تعرفه ؟ هذا أخي الخضر ، ، يأتينا كلَّ يوم فيسلِّم علينا . فقلت : أسألك بحق آبائك لما أخبرتني بما تجوز المفاوز بلا زاد ؟ قال : بل أجوز بزاد ، وزادي فيها أربعة أشياء . قلت : وماهي ؟ قال : أرى الدنيا كلها بحذافيرها مملكة اللـه ، وأرى الخلق كلهم عبيد اللـه وإماؤه وعياله ، وأرى الاسباب والأرزاق بيد اللـه ، وأرى قضاء اللـه نافذاً في كل أرض اللـه . فقلت : نعم الزاد زادك يا زين العابدين ، وأنت تجوز بها مفاوز الآخرة ، فكيف مفاوز الدنيا ؟ 14
وقصة مشابهة يرويها حماد بن حبيب الكوفي القطان فيقول :
انقطعت عن القافلة عند زبالة 15 فلما أجنَّني الليل أويت إلى شجرة عالية . فلما اختلط الظلام إذا أنا بشاب قد أقبل عليه أطمار بيض تفوح منه رائحة المسك . فأخفيت نفسي ما استطعت . فتهيأ للصلاة ، ثم وثب قائماً وهو يقول : يا من حاز كل شيء ملكوتاً ، وقهر كل شيء جبروتاً ، أولج قلبي فرح الإقبال عليك ، وألحقني بميدان المطيعين لك ، ثم دخل في الصلاة . فلما رأيته وقد هدأت أعضاؤه ، وسكنت حركاته ، قمت إلى الموضع الذي تهيأ فيه إلى الصلاة ، فإذا أنا بعين تنبع . فتهيأت للصلاة ، ثم قمت خلفه ، فإذا بمحراب كأنه مثل في ذلك الوقت فرأيته كلما مر بالآية التي فيها الوعد والوعيد يرددها بانتحاب وحنين . فلما أن تقشع الظلام وثب قائماً وهو يقول : يا من قصده الضالون فأصابوه مرشداً ، وأَمَّه الخائفون فوجدوه معقلاً ، ولجأ إليه العابدون فوجدوه موئلاً . متى راحة مَن نصب لغيرك بدنه ، ومتى فرح من قصد سواك بِنيِته ؟ إلهي قد تقشّع الظلام ولم أقض من خدمتك وطراً ، ولا من حياض مناجاتك صدراً ، صلِّ على محمد وآله وافعل بي أولى الأمرين بك يا أرحم الراحمين . فخفت أن يفوتني شخصه وأن يخفي علي أمره ، فتعلقت به فقلت : بالذي أسقط عنك هلاك التعب ، ومنحك شدة لذيذ الرهب ، إلاّ ما لحقتني منك جناح رحمة وكنف رقة ، فإني ضال . فقال : لو صدق توكلك ما كنت ضالاً ، ولكن اتبعني واقفُ أثري . فلما ان صار تحت الشجرة أخذ بيدي وتخيل لي أن الأرض تمتد من تحت قدمي ، فلما انفجر عمود الصبح قال لي : أبشر فهذه مكة ، فسمعت الضجة ورأيت الحجة ، فقلت له : بالذي ترجوه يوم الآزفة يوم الفاقة ، مَن أنت ؟ فقال : إذا أقسمت فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب 16 .
ألم أقل لك إنه كان ومضة نور وشلاَّل إيمان ، وقبساً من وهج الرسالة ؟..
كان الظلام يخيم على طرقات المدينة وقد أوى الناس إلى بيوتهم ، والسماء تمطر ورياح الشتاء الباردة تعصف .. فيقول : الزهري : رأيته (ع) يمشي وعلى ظهره دقيق . فقلت يابن رسول اللـه ، ما هذا ؟.
قال (ع) : أريد سفراً أعد له زاداً أحمله إلى موضع حريز .
فقال الزهري : فهذا غلامي يحمله عنك ، فأبى (ع) .
فقال الزهري : أنا أحمله عنك فأني ارفعك ( وأجلُّك ) عن حمله .
فقال علي بن الحسين (ع) : لكني لا أرفع نفسي ( ولا أجل نفسي ) عما ينجيني في سفري ، ويحسن ورودي على ما أرد عليه . وأضاف الإمام قائلا : أسألك بحق اللـه لما مضيت لحاجتك وتركتني . فانصرف عنه . فلما كان بعد أيام قال له يابن رسول اللـه لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً .
قــــال : بلى يا زهري !. ليس ما ظننت ، ولكنه الموت ، وله استعدّ ، وأضاف الإمام لبيان هدف حملـــه تلك البضاعة في الليل إلى بيوت الفقراء : إنما الاستعداد للموت تجنب الحرام ، وبذل النفوس في الخيـــر 17 .
إن جذور شخصية الإمام زين العابدين تمتد في أفق معرفته باللـه تعالى ، ويقينه باليوم الآخر ، ووعيه للسرعة الخاطفة التي تبتلع ساعات الليل والنهار من عمر البشر ، وتزاحم الواجبات عليه !.
حينما يسأله رجل كيف أصبحت يابن رسول اللـه ؟ يقول : أصبحت مطلوباً بثمان : اللـه يطلبني بالفرائض ، والنبي (ص) بالسنّة ، والعيال بالقوت ، والنفس بالشهوة ، والشيطان باتِّباعه ، والحافظان بصدق العمل ، وملك الموت بالروح ، والقبر بالجسد . فأنا بين هذه الخصال مطلوب 18 .
إنه كان مثلاً رائعاً للآية الكريمة : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللـه قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (آل عمران/191) .
لقد أحبَّ اللـه حتى فاضت على شفاهه روافد الحب في صورة ابتهالات ومناجاة سجَّل التاريخ جزءاً بسيطاً جدّاً منها في صحيفته المعروفة بـ ( السجادية ) .. فلنستمع معاً إلى هذه الرائعة التي تبهر الأبصار :
" فقد انقطعتْ إليك هِمَّتي ، وانصرفتْ نحوك رغبتي . فأنتَ لا غيرك مرادي ، ولك لا لسواك سهري وسُهادي ، ولقاؤك قرة عيني ، ووصلك مُنَى نفسي ، وإليك شوقي ، وفي محبتك وَلَهي ، وإلى هواك صبابتي ، ورضاك بُغيتي ، ورؤيتك حاجتي ، وجوارك طلبي ، وقربك غاية سؤلي ، وفي مناجاتك رَوحي وراحتي ، وعندك دواء علتي ، وشفاء غُلتي ، وبردُ لوعتي ، وكشفُ كربتي ، فكن أنيسي في وحشتي ، ومُقيل عثرتي ، وغافر زلتي ، وقابل توبتي ، ومجيب دعوتي ، ووليّ عصمتي ، ومغني فاقتي ، ولا تقطعني عنك ، ولا تبعدني منك ، يا نعيمي وجنتي ، ويا دنياي وآخرتي ، يا أرحم الراحمين " 19 .
فـــأيُّ قـــلبٍ مفعم بالإيمان هـــذا الذي يفيض بهذه الكلمات المضيئـــة ؟!.. وأي فؤاد ملتهب بالشوق إلــى
اللـه ، متيم بحب اللـه ، يشع بهذه المناجاة ؟. إنّه قلب ذلك الإمام الذي كانت الصلاة أحب الأمور إليه . وكان الذكر شغله الشاغل والعبادة صبغة حياته !
فقد دخل على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عينَي علي بن الحسين (ع) ، فقال : يا أبا محمد لقد بيَّن عليك الإجتهاد ، ولقد سبق لك من اللـه الحسنى ، وأنت بضعة من رسول اللـه (ص) قريب النسب وكيد السبب . وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك ، ولقد أُوتيتَ من الفضل والعلم والدين والورع مالم يؤته أحد مثلك ولا قبلك ، إلاّ مَن مضى من سلفك .. وأقبل يُثني عليه ويطريه .. قال : فقال علي بن الحسين (ع) :
" كلّما ذكرته ووصفته من فضل اللـه سبحانه وتأييده وتوفيقه . فأين شكرُه على ما أنعم يا أمير المؤمنين ؟. كان رسول اللـه (ص) يقف في الصلاة حتى تورّمت قدماه ، ويظمأ في الصيام حتى يُعصب فوه ، فقيل له : يا رسول اللـه ألم يغفر لك اللـه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول (ص) أفلا أكون عبداً شكوراً ؟. الحمد لله على ما أولى وأبلى ، وله الحمد في الآخرة والأولى . واللـه لو تقطعت أعضائي ، وسالت مقلتاي على صدري ، لن أقوم لله جل جلاله بشكر عَشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه الَّتي لا يحصيها العادُّون ، ولا يبلغ حدّ نعمة منها على جميع حمد الحامدين ، لا واللـه أو يراني اللـه لا يشغلني شيء عن شكره وذكره ، في ليل ولا نهار ، ولا سر ولا علانية . ولولا أن لأهلي عَلَيَّ حقاً ، ولسائر الناس من خاصهم وعامهم عَلَيَّ حقوقاً لا يسعني إلاّ القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم ، لَرميتُ بطرفي إلى السماء ، وبقلبي إلى اللـه ، ثم لم أرددهما حتى يقضي اللـه على نفسي وهو خير الحاكمين ".
وبكى (ع) وبكى عبد الملك وقال : شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته ، ماله في الآخرة من خلاق . ثم أقبل يسأله عن حاجاته وعما قصد له فشفّعه فيمن شفَّع ، ووصله بمال " 20 .
وعندما يراه طاوس في أخريات الليل يطوف بالبيت الحرام يرى منه عجباً حتى يشفق عليه فلنستمع إليه ، يروي قصته :
رأيته يطوف من العشاء إلى السَّحر ويتعبد ، فلمّا لم يَرَ أحداً رمق السماء بطرفه ، وقال :
" إلهي غارت نجوم سماواتك ، وهجعت عيون أنامك ، وأبوابُك مفتّحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني ، وتريني وجه جَدِّي محمد (ص) في عرصات القيامة " . ثم بكى وقال : " وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكٌّ ، ولا بنكالك جاهلٌ ، ولا لعقوبتك متعرضٌ ، ولكن سوَّلت لي نفسي ، وأعانني على ذلك سترُك المرخَى به عَلَيَّ . فالآن من عذابك من يستنقذني ؟. وبحبل مَن أعتصم إنْ قطعتَ حبلك عني ؟. فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يَديك ، إذا قيل للمخفِّين جوزوا ، وللمثقَلين حُطُّوا . أمع المخفّين أجوز ؟ أم مع المثقلين أَحط ؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطايايَ ولم أتب ، أما آن لي أن أستحي من ربِّي ؟! " .
ثم بكى وأنشأ يقول :
أتحــــــــــــــرقنـــي بالنــــار يـــا غـــايــــــــــة الــمنـــــــــــــــــــــى فـــأيــــن رجـــــــائــــــــي ثــــــــــــــم ايــــــــــــــــن محبّتـــــــــي
أتيــــــــــــــــــتُ بــــــــأعمـــــــــــــــالٍ قبــــــــــــــــــــــــــــاحٍ زَرِيَّـــــــــــــــــــةٍ ومــــا فــي الــــــورى خلـــــــق جنـــى كجنايتـــــــي
ثم بكى وقال : " سبحانك تُعصَى كأنك لا ترى ، وتحلم كأنك لم تُعص تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم ، وأنت يا سيدي الغني عنهم " .
ثم خر إلى الارض ساجداً . قال : فدنوتُ منه وشلتُ برأسه ووضعتُه على ركبتي وبكيتُ حتى جرت دموعي على خده ، فاستوى جالساً وقال : " مَن الذي أشغلني عن ذكر ربِّي ؟ "
فقلتُ : أنا طاووس يابن رسول اللـه ، ما هذا الجزع والفزع ؟
ونحن يلزمنا أن نفعل هذا ونحن عاصون جانون ، أبوك الحسين بن علي وأُمك فاطمة الزهراء ،و جدك رسول اللـه (ص) ؟! قال : فالتفت إليّ وقال :
" هيهات هيهات يا طاووس ، دع عني حديث أبي وأمي وجدي ، خلق اللـه الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشيّاً ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشيّاً . أما سمعتَ قوله تعالى : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسآءَلُونَ } ( المؤمنون/101) ؟. واللـه لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدمها من عملٍ صالح " 21 .
ولأنه أحب اللـه فوّض إليه أمره وسلّم له أشد التسليم ، وهو (ع) يروي عن نفسه القصة التالية فيقول :
" مرضتُ مرضاً شديداً ، فقال لي أبي : ما تشتهي ؟ فقلتُ : أشتهي أنْ أكون ممَّن لا أقترح على اللـه ربِّي ما يدبِّره لي . فقال لي : أحسنتَ ، ضاهيتَ إبراهيم الخليل صلوات اللـه عليه حيث قال جبرئيل 22 : هل من حاجة ؟. فقال : لا أقترح علي ربِّي ، بل حسبي اللـه ونعم الوكيل " 23 .
وهكذا أحبه اللـه تعالى وأكرمه ورفع شأنه ، وأجرى علي يديه تقديره ، وألزم الناس ولايته .
والقصة التالية تعكس مدى حب اللـه سبحانه للإمام زين العابدين (ع) :
والقصة يرويها طائفة من عُبَّاد البصرة وفقهاءها وهم ثابت البناني ، وأيوب السجستاني ، وصالح المري ، وعتبة الغلام ، وحبيب الفارسي ، ومالك بن دينار .
وننقـــل فيما يلي نص ما جاء في هامش كتاب بحار الأنوار ( ج 46 ، ص 50 ) عن هؤلاء الْعُبَّاد بالترتيـب :
أولاً : ثابت البناني : من التابعين وقد ترجمه أبو نعيم في حلية الأولياء ( ج 2 ، ص 318 إلى ص 333) فقال : ومنهم المتعبد الناحل ، المتهجد الذابل ، أبو محمد ثابت بن مسلم البناني ، وذكر أنه أسند عن غير واحد من الصحابة منهم : ابن عمر ، وابن الزبير ، وشداد وأنس وأكثر الرواية عنه . وروى عنه جماعة من التابعين منهم : عطاء بن أبي رياح ، وداود بن أبي هند ، وعلي بن زيد بن جدعان ، والأعمش ، وغيرهم .
ثانياً : أيوب السجستاني : من التابعين . قال أبو نعيم في حلية الأولياء ، وقد ترجمه في ( ج 3 من ص 3 إلى ص 13 ) : ومنهم فتى الفتيان ، سيد العبّاد والرهبان ، المنوَّر باليقين والإيمان . السجستاني أيوب بن كيسان . كان فقيهاً محجاجاً ، وناسكاً حجاجاً ، عن الخلق آيساً ، وبالحق آنساً .
أسند أيوب عن أنس بن مالك ، وعمرو بن سلمة الجرمي . ومن قدماء التابعين ، عن أبي عثمان الهندي ، وأبي رجاء العطاردي ، وأبي العالية ، والحسن ، وابن سيرين وأبي قلابة .
وذكره الأردبيلي في جامع الرواة ( ج 1 ، ص 111 ) فقال : أيوب بن أبي تميمة ، كيسان السجستاني العنزي البصري ، كنيته أبو بكر مولى عمار بن ياسر ، وكان عمار مولى ، فهو مولى مولى . وكان يحلق شعره في كل سنة مرة ، فإذا طال فَرَق . مات بالطاعون بالبصرة سنة 131 .
ثالثاً : صالح المري : هو ابن بشير ، وصفه أبو نعيم في الحلية ( ج 6 ، ص 165 ) بقوله : القارئ الدرِي ، والواعظ التقي ، أبو بشير صالح بن بشير المري ، صاحب قراءة وشجن ومخافة وحزن . يحرك الأخيار ، ويفرك الأشرار .
اسند عن الحسن ، وثابت ، وقتادة ، وبكر بن عبد اللـه المزني ، ومنصور بن زاذان وجعفر بن زيد ، ويزيد الرقاشي ، وميمون بن سياه ، وأبان بن أبي عياش ، ومحمد بن زياد ، وهشام بن حسان ، والجريري ، وقيس بن سعد ، وخليد بن حسان في آخَرِين .
رابعاً : عتبة الغلام : هو الحر الهمام ، المجلو من الظلام ، المكلوء بالشهادة والكلام ، قال عبيد اللـه بن محمد : عتبة الغلام هو عتبة بن أبان بن صمعة ، مات قبل أبيه . وسئل رباح القيسي عن سبب تسمية عتبة بالغلام فقال : كان نصفاً من الرجال ، ولكنّا كنّا نسميه الغلام لأنه كان في العبادة غلامَ رهِان ، استشهد وقتل في قرية الحباب في غزو الروم ، ترجمه مفصلاً أبو نعيم في الحلية ( ج 6 ، ص 226 إلى 238 ) .
خامساً : حبيب الفارسي : قال أبو نعيم في الحلية ( ج 6 ، ص 149 ) : أبو محمد الفارسي من ساكني البصرة ، كان صاحب المكرمات ، مُجاب الدعوات ، وكان سبب إقباله على الآجلة وانتقاله عن العاجلة ، حضوره مجلس الحسن بن أبي الحسن ، فوقعت موعظته من قلبه .. وتصدق بأربعين ألفــــاً في
أربع دفعات .
سادساً : مالك بن دينار أبو يحيـــى ، وصفه أبو نعيم في الحلية بقوله : العارف النظَّار ، الخائف الجبَّار .. كان لشهوات الدنيا تاركاً ، وللنفس عند غلبتها مالكاً ، وقد أطال في ذكره ( ج 2 ، من ص 357 إلى ص 389 ) .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب