فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
كراماته وشهادته :
استفاضت كتب الأثر بالحديث القدسي الذي ينطق عن ربِّ العزة بالقول : " عبدي أطعني تكن مثْلي (أو مَثلي ) أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون " .
وكتاب اللـه العزيز حافل بأمثلة واقعية من تاريخ الأنبياء والصالحين الذين استجاب اللـه دعاءهم بما أعجز الناس . أليس طوفان نوح وسفينته ، ونيران إبراهيم التي جعلها اللـه تعالى برداً وسلاماً ، وعصا موسى التي ألقاها فجعلها اللـه ثعباناً مبيناً ، وحديث عيسى في المهد صبيّاً ، واستجابة دعاء إبراهيم ثم زكريــــا حينما رزقهما اللـه أولاداً وقد بلغا من الكبر عتيّاً . أليس كل ذلك من كرامة اللـه لأوليائه المخلصيــــن ؟. فلماذا يصعب على البعض تصديق كرامات أولياء اللـه الآخرين ، كما يصدقون بكرامات أولياء اللـه السابقين ؟. أوليس الحديث النبوي الشريف يقول : " علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل " ؟. فكيف تصــــدق المعجــــزة على عهد بني إسرائيل بنص الـقـــرآن ، ولا تأتي الكرامة على يد أهل بيت الرســــول ؟.
وهذا علي بن الحسين (ع) ، الذي قرأنا معاً بعض صفاته ، أَيعزُّ على اللـه سبحانه أن يجري على يدَيه الكرامات ؟ ومَن أولى بها ممن كان على مثل تلك الصفات ، قوَّامَ الليل ، صوَّام النهار ، بكّاءً ، سجّاداً ، إلــخ .....
ونحــــن إذ نقتطف من تاريخه (ع) نزراً يسيراً من كراماته ، فلكي نزداد يقيناً بأن ربَّنا سبحانـه يستجيــــب دعـــــوة المخلصين من عباده الذين جأروا إليه بكل كيانهم وأبعــــاد وجودهــــم .. ثـــــم نـــزداد للأئمة من أهـــــــل
البيت (ع) حبّاً ، فإن حُبَّهم نجاةٌ من النار ووسيلةٌ إلى اللـه عزَّ وجلَّ .
1- من كراماته (ع) ، أن اللـه ألهمه من علمه عبر رؤيا شاهد فيها رسول اللـه (ص) ، ما أظهر كرامته وفضله . والقصة كما يلي :
روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال :
" لمّا وُلِّيَ عبد الملك بن مروان الخلافة كتب إلى الحجاج بن يوسف :
بسم اللـه الرحمن الرحيم
من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف .
أما بعد : فانظر دماء بني عبد المطلب فاحقنها واجتنبها ، فإني رأيت آل ابي سفيان لما ولعوا فيها لم يلبثوا إلاّ قليلاً ، والسلام . قال : وبعث بالكتاب سرّاً .
وورد الخبر على علي بن الحسين (ع) ساعة كتب الكتاب وبعث به إلى الحجاج ، فقيل له : إنّ عبد الملك قد كتب إلى الحجاج كذا وكذا ، وإن اللـه قد شكر له ذلك ، وثبَّت ملكه وزاده برهة .
قال : فكتب علي بن الحسين (ع) :
بسم اللـه الرحمن الرحيم
إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من علي بن الحسين بن علي .
أما بعد : فإنك كتبت يوم كذا وكذا ، من ساعة كذا وكذا من شهر كذا وكذا بكذا وكذا . وإن رسول اللـه (ص) أنبأني وخبَّرني . وإن اللـه قد شكر لك ذلك وثبَّت ملكك وزادك فيه برهة .
وطوى الكتاب وختمه وأرسل به مع غلام له على بعيره ، وأمره أن يوصله إلى عبد الملك ساعة يقدم عليه . فلما قدم الغلام أوصل الكتاب إلى عبد الملك ، فلما نظر في تاريخ الكتاب وجده موافقاً لتلك الساعة التي كتب فيها إلى الحجاج ، فلم يشك في صدق علي بن الحسين (ع) وفرح فرحاً شديداً ، وبعث إلى علي بن الحسين (ع) بوقر راحلته دراهم ثواباً لما سرَّه من الكتاب " 47 .
2- وكذلك قصته مع أبي خالد الكابلي ، ويرويها الإمام الباقر (ع) كالتالي :
" كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهراً ( وهو ابن الإمام علي ، وعم الإمام السجاد عليهما السلام ) . وما كان يشك في أنه إمام حتى أتاه ذات يوم ، فقال له : جعلت فداك إن لي حرمة ومودة وانقطاعاً ، فأسألك بحرمة رسول اللـه (ص) وأمير المؤمنين (ع) إلاّ أخبرتني أنت الإمام الذي فرض اللـه طاعته على خلقه ؟. قال : فقال : يا أبا خالد حلّفتني بالعظيم . الإمام عليٌّ بن الحسين (ع) عَلَيَّ وعلَيك وعلى كلِّ مسلم . فأقبل أبو خالد لَمَّا أن سمع محمد ابن الحنفية ، وجاء إلى علي بن الحسين (ع) فلما استأذن عليه أُخبر أن ابا خالد بالباب ، فأذن له .
فلما دخل عليه ودنا منه ، قال : مرحباً يا كنكر . ما كنت لنا بزائر ما بد لك فينا ؟.
فخر أبو خالد ساجداً شاكراً لله تعالى مما سمع من علي بن الحسين (ع) ، فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي .
فقال له علي (ع) : وكيف عرفت إمامك يا ابا خالد ؟.
قال : إنك دعوتني باسمي الذي سمَّتني به أمي التي ولدتني . وقد كنت في عمياء من أمري ، ولقد خدمت محمد ابن الحنفية عمراً من عمري ولا أشك أنه إمام ، حتى إذا كان قريباً سألته بحرمة اللـه تعالى وحرمة رسوله (ص) وبحرمة أمير المؤمنين (ع) فأرشدني إليك ، وقال : هو الإمام عَلَيَّ وعلَيك وعلى جميع خلق اللـه كلهم . ثم أذنت لي فجئت فدنوت منك وسمَّيتني باسمي الذي سمَّتني أمي ، فعلمت أنك الإمام الذي فرض اللـه طاعته عَلَيَّ وعلى كلِّ مسلم " 48 .
3- ويذكر الشيخ الطوسي القصة التالية أيضاً :
خرج علي بن الحسين (ع) إلى مكة حاجّاً حتى انتهى إلى وادٍ بين مكة والمدينة ، فإذا هو برجل يقطع الطريق ، قال :
فقال لعلي إنزل .
قال : تريد ماذا ؟.
قال : أريد أن أقتلك وآخذ ما معك .
قال : فأنا أُقاسمك ما معي وأُحِلُّك .
قال : فقال اللص : لا .
قال : فدع معي ما أتبلّغ به .
فأبى .
قال : فأين ربك ؟.
قال : نائم .
قال : فإذا أَسَدانِ مُقبلان بين يَديه فأخذ هذا برأسه وهذا برجلَيه .
قال : زعمتَ أنّ ربك عنك نائم 49 .
4- ومن كراماته صلوات اللـه وسلامه عليه ، ما ظهر عند وفاته . فلقد توفي الإمام بعد أن دس إليــــه الأمويون السم في عام ( 94 ) في شهر محرم في اليوم الخامس والعشرين ، وقيل في اليوم الثامن عشر. وفي تلك السنة توفي طائفة من الفقهاء حتى سميت سنة الفقهاء . ولست استبعد أن يكون النظام الأموي في عهد الوليد بن عبد الملك قد دس السم إلى المعارضين وفيهم كبار الفقهاء من أمثال سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير . وجاء في التواريخ أنه توفي في تلك السنة عامة فقهاء المدينة 50 .
وهل يعقل أن يموت كل الفقهاء في سنة واحدة صدفةً ، علماً بأن المعروف أن الإمام السجاد (ع) استشهد متأثراً بالسم الذي دسه إليه عبد الملك بن مروان في ظروف غامضة .
وكيفما كان الأمر فقد ظهرت عند وفاته كرامات منه (ع) ، فقد أُغمي عليه فبقي ساعة ثم رفع عنه الثوب ثم قال : " الحمد لله الذي أورثنا الجنة نتبوَّأ منها حيث نشاء فنعم أجر العاملين " ثم قال : " احفروا لي ( قبراً ) وابلُغوا إلى الرسخ ( الثابت من الأرض ) ثم مد الثوب عليه فمات " 51 .
وظهرت بعد وفاته الكرامة التي ينقلها سعيد بن المسيّب ، وبها نختم هذه الصفحات المشرقة بحياة الإمام زين العابدين (ع) .
فقد روي عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وعبد الرزاق ، عن معمر ، عن علي بن زيد قال :
قلت لسعيد بن المسيب إنك أخبرتني أن علي بن الحسين النفس الزكية وأنك لا تعرف له نظيراً ؟.
قال : كذلك ، وما هو مجهول ما أقول فيه . واللـه ما رؤي مثله .
قال علي بن زيد : فقلتُ : واللـه إنّ هذه الحجة الوكيدة عليك يا سعيد فلم لم تصلِّ على جنازته ؟.
فقال : إنّ القرّاء كانوا لايخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين (ع) . فخرج وخرجنا معه ألف راكب ، فلمّا صرنا بالسقيا نزل فصلّى وسجد سجدة الشكر ..
وفي رواية الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال :
كان القوم لايخرجون من مكة حتى يخرج علي بن الحسين سيد العابدين . فخرج (ع) فخرجت معه فنزل في بعض المنازل فصلَّى ركعتين فسبَّح في سجوده ، فلم يبق شجر ولا مدر إلاّ سبَّحوا معه ، ففزعنا .
فرفع رأسه وقال : يا سعيد أفزعت ؟
قلت : نعم يابن رسول اللـه .
فقال : هذا التسبيح الأعظم . حدثني أبي عن جدي عن رسول اللـه (ص) أنه قال : لا تبقى الذنوب مع هذا التسبيح ، فقلت : علمنا .
وفي رواية علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب أنّه : سبح في سجوده فلم يبق حوله شجرة ولا مدرة إلاّ سبّحت بتسبيحه ، ففزعت من ذلك وأصحابي .
ثم قال : " يا سعيد إن اللـه جل جلاله لما خلق جبرئيل ألهمه هذا التسبيح فسبَّحت السماوات ومن فيهن لتسبيحه الأعظم . وهو إسم اللـه جلَّ وعزَّ الأكبر .
يا سعيد أخبرني أبي الحسين ، عن أبيه ، عن رسول اللـه (ص) عن جبرئيل ، عن اللـه جلَّ جلالَه أنه قال :
ما من عبد من عبادي آمن بي وصدّق بك وصلَّى في مسجدك ركعتين على خلاء من الناس إلاّ غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " .
فلم أَرَ شاهداً أفضل من علي بن الحسين (ع) حيث حدثني بهذا الحديث . فلما أن مات شهد جنازته البر والفاجر ، وأثنى عليه الصالح والطالح ، وانها لو يتبعونه حتى وضعت الجنازة فقلت : إن أدركت الركعتين يوماً من الدهر فاليوم هو . ولم يبق إلاّ رجل وامرأة ، ثم خرجا إلى الجنازة ، وَثبْتُ لأصلِّي فجاء تكبير من السماء فأجابه تكبير من الأرض ، وأجابه تكبير من السماء فأجابه تكبير من الأرض ، ففزعتُ وسقطتُ على وجهي ، فكبر من في السماء سبعاً ومن في الأرض سبعاً وصُلِّي على علي بن الحسين صلوات اللـه عليهما ودخل الناس المسجد فلم أدرك الركعتين ولا الصلاة على علي بن الحسين صلوات اللـه عليهما ، فقلت : يا سعيد لو كنت أنا لم أختر إلاّ الصلاة على علي بن الحسين ، إن هذا لهو الخســــران المبين ، فبكى سعيد ، ثم قال : ما أردت إلاّ الخير ليتني كنت صلّيت عليه ، فإنه ما رؤي مثلــه 52 .
(1) نهج البلاغة ( المعجم المفهرس ص 68 ) .
(2) المصدر : ( ص 70 ) .
(3) المصدر : ( ص 70 ) .
(4) بحار الأنوار : ( ج 27 ، ص 57 ) .
(5) المصدر : ( ص 56 ) .
(6) المصدر : ( ص 57 ) .
(7) أي باب الطاعة للنبي وأوصيائه المصدر : ( ص 180 )
(8) المصدر : ( ص 180 ) .
(9) المصدر : ( ص 201 ) .
(10) نفقت الدابة ماتت ( القاموس ) .
(11) بحار الأنوار : ( ص 61 - 63 ) .
(12) سوف نذكر بعضاً منها في خاتمة الكتاب ..
(13) يعني ارفع رجلك - أو رحلك - عن المركوب ، واركب مطيتي حتى تدرك الحج ..
(14) قصة إبراهيم - بحار الأنوار : ( 3 / ج 36 ) .
(15) زبالة : اسم موضع بطريق مكة .
(16) المصدر : ( ص 40 - 41 ) .
(17) المصدر : ( ص 49 ) .
(18) في رحاب أئمة أهل البيت : ( ج 3 ، ص 234 ) .
(19) مفاتيح الجنان : ( ص 124 ) .
(20) بح : ( ص 57 ) .
(21) قصته في المسجد الحرام مع طاووس .
(22) قال له ذلك عندما همّ الطغاة رميه في النار عبر المنجنيق .
(23) المصدر : ( ص 67 ) .
(24) بحار الأنوار : ( ج 46 ، ص 51 - 53 ) .
(25) اعتمدنا في بعض ما ذكرنا على رواية مأثورة عن الإمام الرضا (ع) في بحار الأنوار ( ج 46 ، ص 8) حيث ذكر ان حادثة أسر بنات يزدجرد كانت في عهد عثمان خلافاً لبعض الروايات التي ترى أنها وقعت في عهد عمر ، وهي بعيدة عن السياق التاريخي لمجمل الأحداث كفتح خراسان وتاريخ ولادة الإمام زين العابدين وما أشبه ..
(26) ناسخ التواريخ : ( ج 2 ، ص 140 ) .
(27) المصدر : ( ص 141 ) .
(28) عوالم العلوم : ( ج 18 ، ص 179 ) .
(29) المصدر : ( ص 280 ) .
(30) المصدر : ( ص 182 ) .
(31) عوالم العلوم : ( ج 18 ، ص 281 ) .
(32) المصدر : ( ص 282 ) .
(33) بحار الأنوار : ( ج 46 ، ص 133 ) .
(34) عوالم العلوم ( ج 18 ، ص 283 ) .
(35) في رحاب أئمة أهل البيت : ( ج 3 ، ص 196 ) .
(36) المصدر : ( ص 196 ) .
(37) المصدر : ( ص 198 ) .
(38) المصدر : ( ص 199 ) .
(39) المصدر .
(40) المصدر : ( ص 209 ) .
(41) المصدر : ( ص 209 ) .
(42) المصدر .
(43) ناسخ التواريخ : ( ج 2 في حياة الإمام زين العابدين ص 241 ) .
(44) بحار الأنوار : ( ج 45 ، ص 138 - 139 ) .
(45) في رحاب أهل البيت : ( ج 3 ، ص 249 ) .
(46) في رحاب أئمة أهل البيت : ( ج 3 ، ص 216 ) .
(47) بحار الأنوار : ( ج 46 ، ص 44 ) .
(48) المصدر : ( ص 46 ) .
(49) المصدر : ( ص 41 ) .
(50) المصدر : ( ص 154 ) نقلاً عن تذكرة الخواص : ( ص 187 ) ( طبعة إيران ) وعن تاريخ ابن عساكر .
(51) المصدر : ( ص 153 ) .
(52) المصدر : ( ص 149 - 150 ) .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب