فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الفصل الرابع : نهضتـــه علــى الطريــق : أولاً : لم تكن الخلافة في المفهوم الإسلامي حقّاً يورث . ولكنَّ السلطة التي استبدت بالحكم في عصر عثمان أرادت أن تجعلها كذلك . ففي المحفل الحاشد الذي ضم كثيراً من المسلمين بينهم عثمان والإمام علي (ع) ، جاء أبو سفيان شيخ بني أمية والوجيه لديهم ، وهم الحزب الحاكم على الأوساط السياسية في البلاد الإسلامية - ذلك اليوم - جاء يتفقد طريقه بِعَصاً يحملها وقد كُف بصره . وكان آنذاك قد شعر بانتهاء دوره في الحياة واقتراب منيَّته ، فسأل أحد الجالسين هل في الحفل مَن يُخشى منه من غير بني أمية . قال له رجل : ليس ههنا رجل غريب . فقال : تَلَقَّفوها - أي السلطة - تَلَقُّفَ الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان لا جنَّة ولا نار !. فأصاخ إليه كل سمع كان في بني أمية ، ووعى نصيحته بكل التفات ، ولم يعترض عليه يومئذ سوى أمير المؤمنين علي (ع) ، إذ وبَّخه على إعلانه الكفر ، وأنَّبه فاعتذر قائلاً : لقد كنت مغروراً بهذا الرجل الذي نفى وجودَ أيِّ غريب في المجلس ، وإلاّ لم يكن من الحزم أن أصارح مثلك بهذا . وانتهى الحفل ، وتفرق الجمع ، إلاّ أنه كان ذا تأثير كبير في تسيير الأوضاع السياسية لمستقبل المسلمين . أجل قد أفصح قول أبي سفيان عن خطة له مدروسة ساعده على تنفيذها الحزب الأموي : أولاً : ومَن ابتغــــى السلطة ، بل ومن ابتغى تقويض الأسس الإسلامية لأضغان قديمة ، وأحقاد متراكمــة . ثانياً : تلك هي رغبة السيطرة على الحكم ، ثم يَسهل عليهم كلّ ما يشاؤون . وأبو سفيان - وهم معه - كانوا يستسهلون كل صعب ، ويستحسنون كل قبيح في سبيل ذلك ، ماداموا لايعتقدون بجنة أو نار ، ولا يؤمنون بنبي أو وصي ، ولا يبالون لأي مقدَّس يُدحض ، وأي شرف يُدنس ، وأية سمعة تُساء ، فإن أمامهم غاية يبررون في سبيل الوصول إليها كل واسطة ، بل يعتبرون كل واسطة تؤدي إليها أمراً مقدَّساً ومحرماً . تماماً كالفكرة الجاهلية التي تمكنت من أدمغتهم البالية . وحينما نجري مع الأحداث التي مرت بالعالم الإسلامي من أواخر عهد عثمان حتى قيام الدولة العباسية نجد أوفق التفاسير لها هذا الذي قدمناه لك الآن من كلام أبي سفيان ، واعتقاده ومن تابعه . فالحروب التي رافقت عصر الإمام علي (ع) ، والحرمات التي هُتكت في عصر معاوية ، والغارات التي شُنت في عهد يزيد ، والمعارك التي شبت وأضرمت في عهد سائر الخلفاء الأمويين ... كانت جميعاً جارية على هذا المبدأ ، ومنفِّذة لهذه الخطة المدروسة . فالحزب الأموي لم يفكر إلاّ في ابتزاز الأموال ، وتشكيل السلطان ، واستعباد الخلق بكل وسيلة . ومن أراد تفكيك الأحداث السياسية في هذه الحقبة الطويلة عن هذه الحقيقة الصريحة فقد أراد تفكيك المعلول عن علته ، والمسبب عن سببه .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|