فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الصدِّيقة عليها السلام تلتحق بوالدها (ص) : كان النبي (ص) يتقلب على فراش المنيّة ، وكانت فاطمة تجلس بجانبه فيسارُّها النبي فتبكي ، ثم يسارُّها ثانية فيتهلل وجهها الكريم . وحين تُسأل عن السر الأول تقول : إنه أسر إليها بأن جبرائيل كان يعرض عليه القرآن كل عام مرة واحدة . فعرض عليه هذا العام مرتين ، وما ذلك إلاّ لاقتراب أجله .. أما السر الثاني فإنها ستكون أول من تلتحق به .. وهكذا ، ظلت فاطمة تعزي نفسها رغم شدة الظروف المحيطة بها ، بأنها ستكون أول من يلتحق برسول اللـه (ص). أمـا الظروف التي عاشتها فاطمة (ع) بعد وفاة الرسول ، فكانت صعبة جدّاً ، لأنها وقفت وحدها تتحدى العواصف العاتية . وحتى الإمام علي بطل الإسلام الأول لم يكن من الحكمة أن يشاطرها الجهاد ، فكان عليها أن تتصدَّى لذلك وحدها ، وهي امرأة لما تبلغ العشرين ربيعاً .. ولكل تلك الظروف يكفينا أن نستمع إليها وهي مفجوعة تشكو إلى علي (ع) حالها بكلمات تتقطر ألماً وتحدياً : لما انصرفت فاطمة من عند أبي بكر أقبلت على أمير المؤمنين (ع) فقالت له : ( يابن أبي طالب شملت شيمة الجنين ، وقعدت حجرة الظنين ، فنقضت قادمة الأجدل ، فخانك ريش الأعزل . أضرعت خدَّك يوم وضعت جدك ، افترست الذئاب وافترشت التراب ، ما كففت قائلا ، ولا أغنيت باطلاً هذا ابن أبي قحافة يبتزُّني نحيلة أبي ، وبليغة ابنيّ ، واللـه لقد أجهر في خصامي ، وألفيته ألدَّ في كلامــــي ، حتى منعتني القيلة نصرها والمهاجرة وصلها ، وغضّت الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع ولا مانع ، خرجت كاظمة ، وعدت راغمة ، ولا خيار لي ، ليتني متُّ قبل هينتي ، ودون زلّتي ، عذيري اللـه منك عادياً ، ومنك حاميا ، ويلاي في كلِّ شارق ، ويلاي مات العمد ووهنت العضد ، وشكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربي . اللـهمَّ أنت أشدُّ قوَّة ، فأجابها أمير المؤمنين : لا ويل لك ، الويل لشانئك ، نهنهي عن وجدك يــا بُنية الصفوة ، وبقية النبوَّة ، فما ونيت عن ديني ، ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنت تريدين البلغة ، فرزقك مضمون ، وكفيلك مأمون ، وما أعدَّ لك خير ممّا قطع فاحتسبي اللـه . فقالت حسبى اللـه ونعم الوكيل ) 32. وحان ميعاد اللقاء ، واستعدت الصديقة للقاء اللـه والالتحاق برسول اللـه ، وكان لذلك قصة تروى فلقد مرضت فاطمة (ع) مرضاً شديداً ومكثت أربعين ليلة في مرضها ، إلى أن توفيت صلوات اللـه عليها . فلما نعيت إليها نفسها دعت أمَّ أيمن واسماء بنت عميس ووجّهت خلف عليّ وأحضرته ، فقالت : ابن عمِّ إنّه قد نعيت إليَّ نفسي وإنني لا ارى ما بي إلا أنني لاحقةٌ بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي . ( قال لها علي (ع) : أوصيني بما أحببت يا بنت رسول اللـه ! فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ثمَّ قالت : يابن عمِّ ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ عاشرتني . فقال (ع) : معاذ اللـه أنتِ أعلم باللـه ، وأبرُّ وأتقى وأكرم وأشدُّ خوفاً من اللـه [ من ] أن أوبّخك بمخالفتي قد عزَّ عليَّ مفارقتك وتفقدك ، إلاّ أنه امر لابدَّ منه ، واللـه جدّدت عليَّ مصيبة رسول اللـه (ص) ، وقد عظمت وفاتك وفقدك ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها . هذه واللـه مصيبة لا عزاء لها ، ورزيّة لا خلف لها . ثم بكيا جميعاً ساعة ، وأخذ عليٌّ رأسها وضمّه إلى صدره ثمَّ قال : أوصيني بما شئت ، فإنّك تجدينني فيها أمضي كما أمرتني به ، وأختار أمرك على أمري . ثمَّ قالـــت : جزاك اللـه عنّي خير الجزاء يابن عمِّ رسول اللـه ، أوصيك أوَّلاً أن تتزوّج بعدي بأبنة [ أختــــي ] أمامة ، فإنها تكون لولدي مثلي ، فإنَّ الرِّجال لابدَّ لهم من النساء . ثمَّ قالت : أوصيك يابن عمِّ أن تتخذ لي نعشاً ، فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته ، فقال لها : صفيه لي فوصفته فاتّخذه لها . فأوَّل نعش عُمل على وجه الأرض ذاك . ثمَّ قالت : أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقّي فإنّهم عدوَّي وعدوُّ رسول اللـه (ص) ، ولا تترك أن يصلّي عليَّ أحد منهم ، ولا من أتباعهم ، وادفنّي في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار ، ثمَّ توفّيت صلوات اللـه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها . فصاح أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها ، فصرخوا صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنَّ وهنَّ يقلن : يا سيدتاه !. يا بنت رسول اللـه !. وأقبل الناس مثل عُرف الفرس إلى عليٍّ (ع) ، وهو جالس والحسن والحسين (ع) بين يديه يبكيان ، فبكى الناس لبكائهما . وخرجت أمُ كلثوم وعليها برقعة وتجرُّ ذيلها متجلّلة برداء عليها وقد علا نشيجها وهي تقول : يا أبتاه ، يا رسول اللـه ، الآن حقّاً فقدناك ، فقداً لا لقاء بعده أبداً . واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون ، وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها ، وخرج أبو ذرّ وقال : انصرفوا فإنَّ ابنة رسول اللـه (ص) قد أخّر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا . فلمّا أن هدأت العيون ومضى شطر من الليل أخرجها عليٌّ والحسن والحسين (ع) ، وعمّار والمقداد وعقيـــل والزبير وأبو ذرّ وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصهم ، صلّوا عليها ودفنوها في جوف الليــــل ، وسوَّى عليٌّ (ع) حواليها قبوراً مزوَّرة مقدار سبعة حتى لايعرف قبرها . وقال بعضهم من الخواصِّ : قبرها سُوِّي مع الأرض مستوياً فَمُسِحَ مسحاً سواء مع الأرض حتى لايُعرف موضعه 33 . ثم إن عليّاً (ع) حوّل وجهه إلى قبر رسول اللـه ثم قال : ( السلام عليك يا رسول اللـه عنّي ! . والسلام عليك عن أبنتك ، وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك ، والمختار اللـه لها سرعة اللّحاق بك . قَلَّ يا رسول اللـه عن صفيّتك صبري ، وعفا عن سيدة نساء العالميــــن تجلّدي ، إلاّ أنَّ فـي التأسّي لي بسنّتك في فرقتك ، موضع تعزٍّ ، فلقد وسّدتك في ملحــــودة قبرك ، وفاضت نفسك بين نحري وصدري . بلى !. وفي كتاب اللـه لي أنعم القبول ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون . قد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرّهينة ، أخْلست الزَّهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول اللـه !. أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد ، وهمٌّ لايبرح من قلبي ، أو يختار اللـه لي دارك التي أنت فيها مقيم ، كمد مقيِّح ، وهمٌّ مهيَّج ، سرعان ما فُرِّق بيننا . وإلى اللـه أشكو . وستنبئــــك ابنتُك بتضافر أُمَّتك على هضمها ، فأَحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلـــج بصدرها ، لم تجد إلى بثّه سبيلاً ، وستقول ويحكم اللـه وهو خير الحاكمين ) 34 . وظلت فاطمة الزهراء شعلة الحب التي لاتخبو في صدور المؤمنين ، وراية الكفاح التي لاتسقط عن يد الرساليين ، وقبسة الخلق الرفيع ، وظُلامة الحق التي تصبغ صفحات الشفق بلون الدم الموتور ، والحق المغدور ، فتتحول نبضة ثورية في عروق فتيان المروة ، يتزودون بها عبر مسيرتهم الجهادية ضد المتسلطين والانتهازيين والقشريين .. وما أحوج أمتنا اليوم إلى تجديد ذكرى فاطمة ، ليقتدي بها النساء ، بل الرجال أولاً .. ولنصلي عليها . وعلى أبيها ، وعلى بعلها وبنيها ، كما صلّى اللـه عليها ، وملائكته . والمؤمنون .. ولقد بلغ من التزامها بتطبيق الإسلام على نفسها تطبيقاً حرفيّاً ، ما روي من أنّـه لما نزلت الآية المباركة : { لاَ تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً } (النُّور/63) صار اللازم على المسلمين أن يغيروا خطابهم مع الرسول ، من قولهم : يا محمد !! إلى قولهم يا رســـول اللـه . الكلمــة التي شاعت بعد نـــزول هذه الآيـــة باعتبار ذكـــر الرســـول في الآيـــة ، تعبيراً عن النبــي - محمد - . وكان هذا الدستور مختصاً بالذين كانوا يستخفون باسم النبي ويدعونه باسمه المدعى به ، دون أي احترام . ولكنَّ فاطمة ، لما سمعت نزول هذه الآية ، غيّرت أيضاً طريقة خطابها مع النبي (ص) فبينما كانت تقول لوالدها : يا أبتاه !! أضحت تناديه بقولها : يا رسول اللـه . فلما سمع النبي منها ذلك . تساءل عن وجه ذلك . فقالت : إطاعة لحكم اللـه . فقال النبي : إني أحبّ من فمك كلمة " يا أبتاه " .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|