فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الخشية من الخالق- تعالى-: فاعلماء هم الذين يخشون الله حق خشيته، و يعبدونه حق عبادته، و يجاهدون في سبيله حق جهاده. صحيح ان جميع المؤمنين يخشون الله ، ولكن خشية العلماء من نوع آخر، لانهم يعرفون آيات الله و بالتالي فانهم يعرفون ربهم من خلال معرفة هذه الآيات. و لذلك فان صلاة رجل عظيم عارف بالله من مثل الامام علي(ع) المثل البارز للعالم الرباني تختلف بالتأكيد عن صلاتي، فهو(ع) عندما يطلق تكبيرة الاحرام فإنه يضع نصب عينيه عشرات الملايين من العوالم التي تخضع لله( سبحانه) ،- ولذلك فان تسبيحه يختلف عن تسبيحي وبالتالي فان خشيته لله تختلف عن خشيتي. و في هذا المجال روي انه وقع حريق في بيت الامام السجاد(ع) و هو فيه ساجد، فجعلوا يقولون : يا ابن رسول الله النار النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له بعد قعوده : مالذي ألهاك عنها ؟ قال(عليه السلام): ألهتني عنها النار الكبرى2. و بعد فان هذه هي الخشية والعبادة الحقيقيتان اللتان أشار أليها- تعالى- في قوله: ( انما يخشى الله من عباده العلماء)، فمن هم هؤلاء العلماء، وما هي صفاتهم؟ القرآن الكريم يذكر لنا هذه الصفات الواحدة بعد الاخرى، فالصفة الاولى هي تلاوة الكتاب: ( انّ الذين يتلون كتاب الله)1 وهذا يعني ان علمهم مستلهم من القرآن؛ من هذا النبع الصافي، ثم انهم يتفاعلون مع هذا العلم ، فيستوعبونه ليدخل كل انحاء وجودهم؛ انفسهم، و افكارهم، وعقولهم، و مشاعرهم، وعواطفهم، ولذلك لا يلبثون ان يخشعوا لله بمجرد ان يروا آية من آيات قدرته و عظمته. ثم يذكر- تعالى- صفة اخرى هي صفة اقامة الصلاة في قوله: (واقاموا الصلاة)2. فالانسان الذي يتلوا كتاب الله ويرى في هذا الكتاب آيات ربّه و نوره لا يملك الاّ ان يخشع فتدفعه هذه الخشية الى اقامة الصلاة. امّا الصفة الاخرى من صفات العلماء الذين يخشون اللّه حقّ خشيته فتتمثّل في الانفاق سراً وعلانية، اذ يقول ربنا سبحانه: ( وانفقوا ممّا رزقناهم سّراً وعلانية)3. فالانفاق في السّر فائدته تعويد الانسان على الاخلاص في النيّة، ولذلك فانّ الصدقة تطفىء غضب الربّ كما جاء في الحديث الشريف، فعليك ان تحرص في انفاق السرا بحيث لا يراك احد. وقد كان ائمّتنا المعصومون (ع) القدوات العليا في هذا النوع من الصدقة بالاضافة الى كونهم قدوات سامية في سائر الاخلاق الفاضلة، فكانوا اذا جنّ الليل، وخيّم ظلامه يتسلّلون من مضاجعهم، و يتنكرّون في ثيابهم، يحملون القربة من الماء، والجراب من الطعام ليذهبوا خفية الى بيوت الفقراء والمساكين والمستضعفين، و يقدّموا الطعام اليهم ويخدموهم بانفسهم ، دون ان يمنّوا على هؤلاء الفقراء، ودون ان يعلنوا للناس اّنهم فعلوا ذلك. وامّا فائدة صدقة العلانية فتتمثّل في انّ الانسان قد يعيش في مجتمع فاسد يستهزىء من المتصدّقين والمنفقين بحجّة انّهم يبذّرون اموالهم التي تعبوا من اجل الحصول عليها، وهنا على الانسان ان يتحدّى هذا المجتمع، وان يعطي الصدقة امام الناس لكي يثبت لهم ان الصدقة هي من ضمن الاعمال الصالحة العظيمة عند اللّه - تعالى-. ثمّ يصف- تعالى- عمليّه التصدّق بكونها تجارة لن تبور، و ذلك بقوله: ( يرجون تجارة لن تبور)4. وللاسف فانّنا نتصوّر ان تصدّقنا هو نوع من الخسارة والمغرم ولكنّ العكس هو الصحيح، فالانفاق هو التجارة الوحيدة الرابحة دائماً، فاذا انفقنا في سبيل اللّه فلنستشعر الفرح والسرور لاّنك حفظت بذلك اموالك في بنك الآخرة الذي سيضاعف لك هذه الاموال و يربيها: ( يمحق اللّه الربا و يربي الصدقات)5.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|