فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله
حين تفقد الأمة شخصيتها، فليس بينها وبين نهايتها، الا خطوة واحدة.
الإنسان يعمل من أجل ذاته وبقواه الذاتية، وحين يفقد التحسس بذاته، أو الثقة بها، فبماذا ولماذا يعمل؟
كذلك الأمة تعمل ـ كأمة ـ من أجل شخصيتها، وبما لديها من طاقات مادية وروحية، فإذا ضاعت الشخصية، فبماذا ولماذا تعمل؟
إن شخصية الأمة هي روحها الجماعية التي يستوحي منها كل فرد من أبنائها العزيمة والأمل.
حين يعشق الفلاح أرضه، التي يحرثها ويداعبها حتى تخضر وتنتج، فهو لا يحب التراب كمادة جامدة، بل كرمز للأمة التي عاشت ولا تزال عليها...
وحين يتعامل العامل مع آلات مصنعه، وينسجم معها كأنه في جوقة موسيقية، فإنه لا يتعامل مع الحديد... إنما مع البشر الذين سوف ينتفعون منها.
والجندي حين يحتضن بندقيته ويقبلها ويخف لعربته المسلحة، ويقذف بنفسه في هوات الموت... فليس لأنه يعشق الموت، أو يعبد النار التي في السلاح، انما لأنها رمز أمته التي يتحسس بروحها تجري في عروقه فتملؤها عزيمة وأملا.
والرئيس الذي ينكب على أوراق مكتبه يضيع بينها، كأنه السمكة تسبح في نهر الأفكار... يشعل السيجارة بعد السيجارة، ويعتصر مخه وقلبه حتى يتخذ قرارا صائبا، يخدم به أمته.
إنه يحب هذه الأمة ويشعر أن ذاته تذوب في كيانها الموحد.
إن حبلا قويا يشد هؤلاء إلى بعضهم، وروحا واحدة تجمع قلوبهم وتضيئها بقنديل الأمل.
ولكن، إذا ضاعت شخصية الأمة، ولم يعد يشعر أبناؤها بالروح الواحدة التي تجمعهم، فإن كل واحد سيتخذ طريقا مختلفا، وسيشعر الجميع بالضعف والعجزة والهزيمة...
والسؤال: ما هي شخصية الأمة وبأي شيء تتكون؟
الجواب: إن وحدة القيم والثقافة، والاشتراك في الهدف والتاريخ، هي حدود شخصية الأمة المتميزة...
فمن دون الثقافة الواحدة ذات القيم السامية والثابتة، التي يؤمن بها الجميع ايمانا راسخا يبعثهم على العطاء من أجلها والتضحية لها بكل شيء، يسقط الجدار المعنوي لبناء الأمة.
ومن دون الهدف، ذي التجربة التاريخية، الذي يكون نقطة إرتكاز لنشاطات الأمة، ينهار الجدار المادي لبناء الأمة.
واننا، كمسلمين، نتعرض اليوم لتهديد حقيقي بضياع شخصيتنا المتميزة، وربما لأول مرة في تاريخنا الممتد أربعة عشر قرنا.
ان المسلمين يبحثون اليوم عن هوية، انهم يبحوث ـ في فراغ ـ عن شيء يتشبثون به ولكنهم لا يجدونه، ولن يجدوه ما داموا بعيدين عن دينهم وتراثهم.
واذا عادوا إلى الإسلام، كدين وتاريخ، فسوف يجدونه أكثر من مجرد هوية، انه الكنز الحقيقي الذي لا ينفد.
انه المعدن الذي لم يستثمر الا قليلا، إذا استثمر أعطى الكثير بفضل غناه الروحي وقيمة الإنسانية ومناجمه الحكيمة.
والإسلام الذي نريده منطلق حضارة وإطار شخصية، ليس إسلام المسلمين الذين حولوه إلى قشور فارغة (مساجد بلا مصلين/ صلاة بلا خشوع/ خشوع بلا فهم و... و...).
أو إلى إرهاب فكري تمارسه الرجعية ضد التقدم والانطلاق.
أو إلى أفكار تبريرية تواكلية لتقاعسهم وعجزهم.
أو إلى سلاح سياسي يشهره المستغلون ضد المعدمين والمحرومين.
كلا..
إنما هو الإسلام الذي أمر به القرآن ولخصته تجارب الأمة في قرون التقدم والانطلاق؛ اسلام المناضلين من أجل فك الناس عن عبادة الناس إلى توحيد الله؛ اسلام التطور والإصلاح...
إن ممارسات المسلمين في التاريخ ـ كممارسات المسلمين اليوم ـ ليست كل احتمالات الحضارة الإسلامية بل ان بعضها غطاء يخفي إشراق الإسلام الحقيقي.
إن الإسلام الحق، يمكن أن يعطي الإنسانية حضارة روحية ـ مادية عظيمة المنفعة والروعة.
ان الحضارة الغربية ليست الشوط الأخير في تقدم الإنسان، ولا النموذج الأسمى لحياته.
وعلينا أن نستخرج من (كنوز الإسلام) حضارة أسمى...
ولكن، من الذي يجب أن يفعل لنا ذلك؟
هناك طائفتان هما: رجال الدين حين يصبحون رجال علم، ورجال العلم حين يصبحون رجال دين.
ولنا مع كل واحد منهما كلمة...

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب