فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الإسلام دين التطور: وإذا لم يبين الله سبحانه في القرآن الكريم الا أحكاما قليلة، وركز في بقية آياته على مجموعة قليلة من القيم التي أراد ترسيخها في ذهنية الأمة بشكل كامل... انما فعل ذلك ليفتح أمام الأمة أبواب التطور... والنبي محمد (ص) لم يكتب لنا أسفارا مطولة في التشريع، انما بين أصول العلم والحكمة، ورسخ قيم القرآن بتشريعاته الرشيدة، ثم وجه الأمة إلى خلفائه المعصومين فقال: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا). وخلفاء الرسول (ص) لم يؤلفوا كتبا مطولة في الأحكام الفقهية، انما قالوا: (علينا بالأصول، وعليكم بالفروع). ووجهوا الأمة من بعدهم إلى الفقهاء وقالوا: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا). كل ذلك لذات الهدف، وهو: فتح أبواب التطور أمام الأمة. وليس من الصحيح طرح النظريات العامة التي تسبح في فراغ كأنها كليات أبو البقا. إذ ان طرح النظريات هكذا، ومن دون تحويلها إلى برامج عملية لا بد ان يتم لواحد من عاملين: 1- إما لأن النظرية ذاتها غير واقعية وتشبه نظريات المدينة الفاضلة للفارابي في كونها تصلح ان تكون أمنيات حلوة ولكن لا تصلح أن تكون خططا للعمل وأنظمة للتطبيق. 2- إما لأن صاحب تلك النظريات لا يعرف كيف يجب ان تنفذ على متغيرات الحياة. ويبدو ان أكثر الكتابات الدينية العامة هي من النوع الثاني. واذا كان صاحب النظرية، والمفروض فيه ان يكون اختصاصيا في أمرها، لا يعرف طريقة تنفيذها، فكيف إذا ينتظر من الناس العاديين أن يعرفوها؟! لكن السؤال: هل نحن طورنا، حسب مسؤوليتنا الدينية، الأحكام وفق متغيرات العصر؟ أم تمسكنا بالجانب الثابت من الشريعة وضخمناه إلى أبعد حد ممكن، وأعدنا صياغته من جيل إلى جيل... اما المتغيرات فتركناها لإجتهادات الناس...؟ ما هو الاقتصاد الإسلامي؟ وكيف ينبغي أن يتم توزيع الثروة؟ كيف يجب ان ننمي ثروتنا القومية؟ ما هي القوانين التي تنظم علاقة العامل برب العمل.. وهل يجب ان يشارك العمال في الأرباح؟ وكم ولماذا.. وهل للعمال ضمان اجتماعي؟ ما هو حكم الدين في الأراضي؟ هل يجوز تقسيمها على الفلاحين إذا اقتضت الضرورة القصوى لاستقلال بلادنا الاقتصادي، ومتى تكون حالة الضرورة.. وهل نحن الآن في تلك الحالة؟ ما هي أنظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... ما هي الوسائل السليمة التي يجب اتباعها اليوم؟ هل يجوز الإصلاح السياسي المسلح، أم يجب أن يكون مجرد عمل صامت، أم عصيان مدني؟... كيف يجب مقاومة الاحتلال، ما هي عناصر النجاح فيها؟ كيف يجب ان يبنى المجتمع؟ وكيف نوجد فيه الديناميكية؟ كيف نجعله مجتمعا متقدما؟ كيف نحافظ على القيم التي تسود عليه؟ ما هي تفاصيل البرنامج الأخلاقي التي يجب ان يتقيد بها الإنسان المؤمن، هل هي المرونة أو التصلب، ومتى المرونة ومتى التصلب، وهل هي الانعزال أم الانفتاح، ومتى هذا ومتى ذاك؟ إن مئات الأسئلة العريضة حائرة اليوم وتتطلب أجوبة صحيحة وواقعية وواضحة، فأنى لنا بذلك. إذا لم تصبح القضايا اليومية الملحة هي محور الدراسة، ولم نعالجها بشجاعة وحكمة، والتضحية بكثير من التقاليد التي اصبحت عندنا دينا ومعنا ومقدسات... فإن عقابنا سيكون عسيرا أمام الله، والتاريخ... مسؤوليتنا ليست في إعادة الكتابة لمشاكل من قبلنا، وإعادة الحل أو البحث عن مشاكل لا وجود لها. ليس من الصحيح بيان الافتراضات إذا كان هكذا فـ.. هكذا، وان كان كذلك... فهكذا... علينا أن نعطي رأيا ثابتا وواضحا ومحددا... ونقول: لأن الأمر هكذا، فالحكم هكذا وكفى... وهذا ـ بالطبع ـ بحاجة إلى علم واسع لا بالكتب بل بالحياة، بكل تفاصيلها.. إن هذه وليست غيرها هي مسؤولية الفقيه. وإلا... لكان يكفينا أن نعيد طباعة كتاب فقهي قديم مرة كل عام ونطبقه. إننا لا نحتاج إلى نسخ أخرى للكتب الفقهية يا فقهاء القرن العشرين! إن المغالاة في التحذر قد تسبب في إخراج الناس من الدين رأسا، ولذلك تصبح في بعض الأوقات أشد ضررا من اللامبالاة في الدين. لذلك كره الله عمل المارقين المغضوب عليهم كما لم يرض عن القاسطين الضالين. إننا بحاجة إلى من يعرف السياسة، ويعرف الدين، ويعطينا رؤية دينية تجاه مشاكلنا السياسية. بحاجة إلى من يعرف الاقتصاد... ويعرف بصائر الدين فيه... ووفق تلك البصائر يحل لنا قضايانا ومشاكلنا الاقتصادية. وبحاجة إلى من يعرف الثقافة الحديثة وتياراتها، في التربية وعلم النفس ـ بفروعه العديدة ـ والأدب والفن ثم يعطينا نتيجة بحوثه... آنئذ طالبونا بتطبيق الإسلام.. فمن بدله من بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه. وبالطبع إذا لم تتغير مناهج الدراسة، واهتمامات الدارسين، ومحاور حلقات المناقشة في المجامع الدينية، لا يستطيع رجال الدين القيام بهذه المهام الجسام... لكن، من يغير مناهج الدراسة؟.. نحن بانتظار ذلك الرجل الشجاع الحكيم.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|