فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
هل العقل في إجازة؟
بالرغم من أن العلم الحديث قبل أن يكون نظريا، هو علم واقعي يراعي الاختلافات الواسعة التي توجد في طبيعة الناس.
فإن هذه الطبقة من رجال العلم عندنا لا يكفون عن تقليد العالم الغربي، أو العالم الشرقي ـ كل حسب دراسته ـ دون تفكير بالاختلافات الواسعة التي تجعل منا غير الغرب، وغير الشرق...
فمثلا، يحدثوننا عن مشاكل الصناعة، أو عن طريقة منع استغلال أصحاب المصانع للعمال، بينما ليس لدينا صناعة بمعنى الكلمة... ويحدثوننا عن مشاكل الإنسان ذي البعد الواحد في العالم الصناعي... في الوقت الذي نعيش التطرف في التشتت حيث نحتاج إلى لملمة جوانبنا في إطارات محدودة.
في الغرب ترى العامل في المصنع يتحول شيئا فشيئا إلى جزء من المصنع حيث يتحول المصنع عنده كبقرة الهنود إلى آلهة تعبد؛ وبذلك تتحجم كل طاقاته ضمن هذا المصنع الصغير... ويطلع عليه (هربرت ماركوز) بكتابه (الإنسان ذو البعد الواحد) ينبهه إلى هذه الحالة المزرية التي انتهى إليها، ويأمره بعدم الإفراط في التركيز.
أما هنا، فنحن نعيش عالم التشتت المطلق حيث لا مصنع لدينا، ولا تنظيم دقيق ولا هم يحزنون... فمن المضحك ان يأتي كاتب وينصحنا بعدم التركيز...
إننا نترجم، من حيث نشعر أولا نشعر، ثقافة الغرب في عبارات عربية دون ان نحكم عقولنا فيما تنفع وما تضر، كأن العقل في إجازة...
وحين ينعكس التقليد على الجوانب العملية، تكون أدهى وأغرب...
ففي إحدى دول الخليج حيث يمتد الصيف أكثر من 9 أشهر... وحيث يعتبر أهلها الشمس عدوهم رقم واحد... كلفت إحدى الشركات ببناء مدارس للأطفال، وحسب وصية المهندسين المتعلمين في بريطانيا، تم بناء المدارس...
بريطانيا هي بلاد الضباب، الشمس هناك محبوبة الجماهير الأولى... هناك لا بد أن تبنى البنايات بشكل تستوعب نوافذها أكبر كمية ممكنة من أشعة الشمس.
وهكذا قلد مهندسو هذه الشركة البريطانيين في تعرضهم للشمس، فإذا بالمدارس تعكس على الطلاب الشمس وتمنعهم من الدراسة...
وفي بلد خليجي آخر، حيث البرد الصحراوي القارص أيام الشتاء، والحر والرطوبة أيام الصيف.. وحيث لا ربيع ولا خريف..
هناك... يخصص المهندسون للشرفات مساحات كبيرة تقليدا للمناطق التي تتمتع بفصول طبيعية يستفاد فيها من الشرفات.
ولقد رأيت مهندسا، صمم فيلا لعائلة محافظة، جعل جدران الطابق الأعلى منه من الزجاج.. بيد أن هذه العائلة كانت تسدل الستائر من وراء الزجاج ليل نهار... محافظة على تقاليدها الدينية في التستر... حسنا فماذا نفع الزجاج؟
وإذا تركت الهندسة إلى الطب رأيت شيئا يشبه ذلك...
ان أبسط قواعد الطب هي معرفة أوضاع المريض الصحية... وحين تكون دراسة الطبيب في بلاد غريبة، ثم لا يكملها بالتعرف على بلاده التي يريد ان يمارس فيها مهنته، فكيف، يا ترى، يقدر على معالجة المرضى؟...
وإذا تركنا الثقافة والطب والهندسة إلى التربية والاقتصاد والسياسة، كانت مظاهر النشاز وعدم التناسب أكثر بروزا وأشد غرابة.
كل ذلك يعود، ببساطة، إلى ان رجال العلم عندنا قليلا ما يبدعون.
إن أخطر حالة تصيب الإنسان هي حالة فقدان الثقة بالذات. ورجال العلم اصيبوا بهذه الحالة مع الأسف. فهم انبهروا كليا بمظاهر الحضارة الغربية، وتركوا وراء ظهورهم كنوزا لا تنفد من إمكاناتهم الذاتية...
ان الحل الوحيد لهؤلاء هو، من جهة، العودة إلى التراث حيث يجدون فيه ما يعيد اليهم ثقتهم بأنفسهم...
ثم، من جهة أخرى، مواجهة الواقع والتعامل معه مباشرة، وليس من وراء حجب الكتب والدراسات.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب