فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
بحوث تمهيدية
السؤال الحائر: السؤال الذي أقض مضجع المفكرين وكشف عن قصور الفكر منذ ان كان فكر وكان مفكرون.. السؤال الذي أثاره الفلاسفة والمتكلمون على أنفسهم، وحاولوا محاولات شتى في سبيل معرفة جواب حاسم له فلم يفلحوا، أو بالأحرى لم يحرزوا كل الفلاح... السؤال يقول: (كيف يجتنب الخطأ)، والذي يواجهه الفيلسوف قبل ان يواجه أي سؤال آخر... ففي عصر الاغريق حيث اختلف الفكر وتناقضت النظريات، وتطرفت الفلاسفة ذات اليمين وذات الشمال... فرض هذا السؤال نفسه كأشد ضرورة تفرض، فتصدى لها (أرسطو) ووضع منطقه المعروف والذي هيمن على فكر الإنسان أكثر من أربعة وعشرين قرنا. وتبناه تابعو الأديان، جاعلين منه قاعدة دينية لا تتزلزل ولا تميد، حتى المسلمون تبنوه ولا يزالون. ثم كانت الثورة التي فجرتها أوروبا في القرن السابع عشر الميلادي، وأرادت أن تنسف كل قديم... وبصورة خاصة أفكار القدماء وطريقة تفكيرهم.. وفي مقدمة كل ذلك المنطق الكلاسيكي الأرسطي. وخاض عالم الفكر معركة الثورة على أرض فرنسا وبريطانيا، فجعلت الأفكار في حيرة والمفكرين في ابداع. وتمخضت المعركة عن ميلاد منطق جديد: منطق (ديكارت). وأسرعت الأحداث وخلفت في مسيرة الفكر منخفضات وتلالا؛ واشتبك الفكر في أكثر من معركة على أكثر من صعيد. وبتقدم الحضارة، وسرعة انكشاف الأسرار، وزيادة إيمان العصري بفكره وازدرائه بالقديم البعيد عن معطيات عصره.. وبتحليل النور، وغزو الفضاء، وفلق الذرة، عمت فوضى فكرية أخرى، تمخضت عن منطق آخر يدعى بالمنطق (الديالكتيكي). كل ذلك استجابة لضرورة السؤال، الذي يفرض نفسه في ظروف الفوضى حيث تختلف الآراء وتتضارب: كيف نجد الصحيح وكيف نتجنب الخطأ؟ والموضوع الذي بين يديك، إجابة أخرى عن هذا السؤال. ولكنه يفترق في إجابته عن سائر الفلاسفة والمفكرين في إجاباتهم. يفترق عنها بوجهين: الأول: ان كاتبه لا يحاول ان يكون له ابداع في هذا المجال، بقدر ما يبذل جهده لأن يكون مكتشفا لإجابة موجودة بالفعل، ولكنها في أضلع الكتب أو بين صدور نصوص، عن جواب للإسلام ـ الدين الذي يعالج كل مشاكل الإنسان الفكرية ومنها هذه المشكلة ـ جواب يختلف طبعا عن جواب أرسطو وديكارت وهيجل، جواب جديد رغم انه نزل من السماء قبل أربعة عشر قرنا.. الثاني: يحتوي الموضوع على عرض موجز وواضح للأجوبة الأخرى التي قدمها كل من أرسطو وديكارت وهيجل ورواد الفلسفة القديمة والحديثة الآخرين. وههنا نقطة ملفتة للنظر؛ هي ان المنطق الذي سوف نستخرجه من الكتاب والسنة، ونستدل عليه بآيات الكتاب وأحاديث السنة كما بالعقل.. هذا المنطق ربما وجد أكثر القراء الكرام كثيرا من بنوده في الآيات والروايات، ولكن لم ينتبهوا إلى واقعه، وإن من الممكن الاستفادة منه في مجالات فكرية وعلمية. وبتعبير آخر لم يتوجهوا إلى ان هذا القرآن ليس فقط كتابا مقدسا، يجب ان يراعي الفرد نصوصه في الأحكام الشرعية، أو يصغي إلى توجيهاته، أو يتمتع بقصصه وحكمه... بل أكثر من كل ذلك... كتاب علم وحكمة وضياء ونور يجب ان يدرس بالتدبر والتفكر، بل ان يدرس بالتفسير والتأويل. من هنا فإن (المنطق الإسلامي) كان موجودا بالفعل في النصوص الشرعية. لكن المسلمين لم يحاولوا طيلة هذه القرون المتمادية، ان يفهموه أو يعرفوه، زعما منهم ان باستطاعتهم الاستغناء عنه بمنطق ارسطو، وبما ان الاختلاف الذي مزق شمل المسلمين دل على عجز المنطق الأرسطي عن رفع الاختلاف وعن تحري الصحيح بين المختلفات، وأيد ذلك انهيار المباني العلمية التي كان يحسبها علماء المسلمين حقائق مسلمة بفضل المنطق الأرسطي الذي بانهياره في العصر الحديث على يد الفلاسفة الجدد، أصبح المسلمون في زوبعة رهيبة ذهبت بضوء عقولهم.. وخلفتهم غثاء تجري مع الناس، دون أصالة واستقلال. ويلاحظ ذلك بوضوح بين كتاب المسلمين، الذين قد يتبعون منطق أرسطو وقد يؤيدون أفكار ديكارت، وفي نفس الوقت يمتدحون هيجل ويشيدون بماركس، ولو انهم عرفوا منطق القرآن لكان كفاهم عن كل ذلك.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|