فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المنهج الديكارتي في الفكر الأوروبي
كان تأثير ديكارت في الفكر الأوروبي كبيرا إلى درجة أنه خلف تيارا فلسفيا سمي بـ(ديكارتزم) وانجرف في هذا التيار مفكرون كثيرون.
لكن لا يعني ذلك أن كل هذا التأثير كان من شخص ديكارت أو من فلسفته بل وكان أيضا من عصره، الذي تململ تحت تأثير شروط معينة، وحاول النهوض فالتف حول منهج بيكون وديكارت لأنه وجدهما أنسب المناهج إلى نهضته المنشودة.
لذلك فقد أضاف كل فيلسوف جديدا إلى منهج ديكارت. قال أحدهم: (ان منطق ديكارت دهليز الحقيقة يجب ان نعبرها ولا نتوقف فيها). وكان في طليعة هؤلاء مابرانش واسبينوزا.
مابرانش:
إعتقد ما برانش (1608 - 1715) أن سبب خطأ الإنسان اندماج عقله بجسمه وابتلاؤه بما انطوى عليه الجسم من الخيال الفارغ ومن الرغبات النفسية.
السؤال: كيف تتسبب الحواس في حجب العقل عن الحقيقة؟
يجيب مابرانش عن هذا السؤال بالقول: إن الهدف الفطري من الحواس يختلف عن الهدف الذي ينشده الإنسان، ولذلك يتورط الإنسان في الخطأ، ومثله ان يستخدم الإنسان المحراث في التكريف، وذلك لأن الغاية المتوخاة من الحواس بالأصل هي ايجاد علاقة مناسبة بين الجسم والعالم المحيط به، حتى يبقى الجسم مصونا من الأخطار... بينما يستخدم البشر حواسه فيما هو وراء هذه الغاية، وهو العلم بحقائق الأمور، جهلا بأنها انما تنقل المظاهر الساذجة والآثار السطحية إلى ضمير الإنسان، حتى يتجنبها لأنها هي غايته الطبيعية. فمثلا ان حواسنا تشعر بالألم ازاء بعض الإثارات الخارجية، فهل الألم هذا من آثار تلك الأمور الخارجية كما نتصور وكما نقول ظاهرا بأن الضرب مؤلم فننسب الألم إلى الضرب ونجعله صفة من صفاته؟ كلا إنما هو من مقتضيات ذواتنا نحن، فهي التي تتأثر بالضرب، ولا دخل له بصورة الحياة الخارجية، ونحن إنما نعبر عن الضرب أنه مؤلم لبيان نوعية العلاقة التي تربطه بأجسامنا.
الصفات والرغبات النفسية:
التوهم سبب آخر من أسباب الخطأ البشري لأنه يجعلنا نزعم صحة أفكار الآخرين، فنتبعهم بينما هي باطلة وانما تخيلنا خيالا.
أما الرغبات النفسية فإنها تولد الحب والبغض في الإنسان، وهما بدورهما يحجبان نور العقل ويوقعان الفرد في الخطأ. والصفات النفسية أشد أثرا في القلب من الرغبات النفسية، لأن الصفة المنحرفة بذاتها تسبب الخطأ، دون واسطة الحب والبغض.
وحتى طاقة الفهم (العقل) فإنها قد تتسبب في الخطأ، ذلك لأنها بطبيعتها محدودة بينما يزعم الإنسان أنها قادرة على كشف الأشياء جميعا.
وهذا الغرور سبب خطير من أسباب الخطأ البشري (عند مابرانش).
ثم يبدأ مابرانش بتفصيل منهجه بعد أن يحدد أسباب الخطأ ويوصي الطالب بتجنبها فيقول: يجب أن نطرح أية مسألة بصورة مبسطة والبحث عن الوسائط المشتركة.
وينبغي حذف الزوائد بل نلخص المعلومات بقدر الإمكان.
ولا بد أن نتدبر في نوعية ترتيب المعلومات مع بعضها بدقة تامة، كما يجب مقابلة المعلومات المركبة مع بعضها لحذف المكررات عنها، وكذلك حذف الأمور غير المفيدة.. ونكتفي بهذا القدر في تفصيل منطق مابرانش الذي يتشابه في كثير من الأمور مع منطق ديكارت، الا أنه ينطوي أيضا على بعض السلبيات.
1- فالغموض يكتنف نظريته عن أسباب الخطأ لأنه لم يكن قادرا على بناء أسس كافية لمنطقه، واليوم وبعد بحوث علم النفس المختلفة نستطيع أن نفقه مواقع الغموض في فلسفة المنهج عند مابرانش.
2- إنه عدّد أسباب الخطأ وجعل منها الفهم (أو العقل)، بينما العقل لا يدعو الإنسان إلى أن يتصور كماله، وشموله. انما جهل الإنسان بمحدودية عقله، وغروره بما لديه من وسيلة ناقصة، وهو الذي يجعله يحمِّل عقله فوق طاقته ويطلب منه ما هو عاجز عنه.
ديكارت يدخل في الفكر الأوروبي:
وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر دخل منطق ديكارت في برنامج الفكر الأوروبي، بعد أن أضيف إليه بعض العناصر المفيدة من منطق أرسطو، وذلك عندما كتب عالمان يتبعان ديكارت هما (بير نيكل وأنتون أرفو)، من فرنسا، كتابا في المنطق على ضوء فلسفة ديكارت ومنهجه ولا يزال الكتاب متداولا في أوروبا ومرجعا مفيدا هناك.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب