فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
معرفة العلم بالعلم
اسبينوزا..
من هولندا هذه المرة، جاء اسبينوزا الذي عاش بين (1632 - 1677) وأصبح من أكبر فلاسفة أوروبا في عصره ولخص رأيه في المنطق بالقول: لما رأيت طرق معرفة الأشياء توجز في أربعة: أفواه الناس (كمعرفة كل شخص بيوم ميلاده) أو بالتجربة المجملة (كمعرفة الناس بأن النفط مما يحترق) أو بمعرفة الرابطة بين الجزئيات والكليات (كما نعلم بالحرارة بعد العلم بوجود النار) وهذا هو الطريق الثالث الذي بالرغم من أنه أفضل مما سبق فإن الطريق الرابع أفضل منه وهو: الوجدان الذاتي والشهود الشخصي، وهو طريق لا يأتيه الخطأ لأنه منطبق مع المعلوم، ويأتي بعلاقة مباشرة بين الفرد والمعلوم، ولذلك فهو موجب لليقين، وهو يتعلق بالبسائط والمبادئ الأولية، وموارده قليلة جدا.
والعلم بالبسائط (أي الطريق الوجداني) واضح ومحدد وموافق مع المعلوم الخارجي، ولسنا بحاجة إلى حجة تدل على صحته. ولهذا فلسنا بحاجة إلى البحث عن منهج صحيح للمعرفة.
ان المعرفة هي بذاتها دليل على صحتها، وعلى صحة الطريق المؤدي إليها، لا العكس... وبالتالي العلم هو طريق العلم. العلم بالواقع طريق العلم بذلك المنهج الذي يوصلنا اليه، أي على ضوئه نستطيع معرفة المنهج المؤدي إليه وإلى غيره.
ثم يضيف قائلا: إن طريق معرفة الحقيقة وتمييز الباطل عنها، هو البحث أولا عن حقيقة واضحة جدا ومتميزة تماما عن الباطل. وكلما كانت الحقيقية واضحة أكثر وضوحا، وأشد تمييزا عن الباطل، كان أفضل لأن أساس العلم آنئذ يكون أكثر رسوخا ويكون العلم النابع منه أشمل إحاطة بالحياة. فما هو ذلك العلم الأول الذي يتعلق بأوسع الأشياء إحاطة وأسماها رتبة؟... إنه العلم بالله سبحانه، الذي يهدي إلى كل علم. لأنا على ضوئه نتعرف على المنهج الصحيح ونبلغ به جميع الأشياء.
ملاحظات على منهج اسبينوزا:
واسبينوزا يتبع ديكارت في موجز أفكاره، وان كان يخالفه في تفاصيلها ويركز كثيرا على ضرورة إدخال المنهج الرياضي في كل العلوم.. لكن نظريته في المنهج تتعرض لعدة ملاحظات:
1- إنه قسّم طرق العلم بالحقيقة إلى أربعة وجعل منها الوجدان كما جعل منها أقول الناس. ومن حقنا أن نتساءل عن معنى العلم؟ أليس هو وجدان الأشياء وكشفها الوصول مباشرة إليها، كما يقول اسبينوزا ذاته.. فإذا كان كذلك، وهو كذلك، فلا فرق بين أن يأتي هذا الوجدان عن طريق التفكير أو الإحساس أو العلم بالعلة والمعلول، بل إنما يأتي الوجدان بعد هذه الطرق أو بعد غيرها مما يسبب حالة العلم في النفس، إذ الوجدان هو العلم ذاته.. إذا فليس من الصحيح جعل النتيجة من أقسام الطرق المؤدية إليها وجعلها أفضل منها.
2- بالرغم من أنه تفطن إلى أن حقيقة العلم نور وكشف وظهور، ولا يمكن البحث عن دليل يثبت صحة العلم بعد أن وجدنا العلم يقينا... وبالرغم من انه تفطن أيضا إلى حقيقة أخرى هامة، وهي ان الطريق إلى معرفة المنهج الصحيح للعلم هو العلم بحقيقة ما، ثم البحث على ضوئها عن المنهج الصحيح، إلا أنه لم يتفطن، أو لم يذكر، كيف نستطيع الوصول إلى منهج صحيح بعد العلم بحقيقة واضحة.
وقد كشفنا في موضع آخر من هذا الكتاب عن ذلك، حين قلنا ان العلم بحقيقة ما، يجعلنا نطمئن إلى صحة الطريقة التي سلكناها إليها، فنستطيع سلوك ذات الطريقة للوصول إلى غيرها فمثلا إنك تعلم يقينا.. أن 15+15 يساوي 30 ولكنك لا تعرف صحة طريقة الجمع المتبعة، فتستخدمها كما هي معهودة فترى: ان هذه الطريقة فعلا أدت إلى النتيجة الصحيحة، فتعرف انها ستؤدي إلى نتائج صحيحة أيضا في غير هذا المجال.
وهذا بعض من منهج (معرفة العلم بالعلم)، وستعرف طرقا أخرى لهذا المنهج بإذن الله.
لابينتس:
في بعض بلاد ألمانيا ولد لابينتس عام (1646) وتوفي عام (1716)، وانتزع رأيه في المنطق من نظرياته في الفلسفة، والتي اعتقد فيها أن معرفة الغاية من الكون أو من أجزائه ضرورية للوصول إلى حقيقته جنبا إلى جنب مع معرفة العلة المباشرة له. وفي باب المعرفة قال: كما أن أصل امتناع التناقض قاعدة رصينة لمعرفة الأشياء، كذلك أصل العلة الغائية (الهدف من الأشياء) قاعدة أساسية.
واعتقد في المنطق أيضا، إن إدراك البشر للأشياء يكون نوعين: إدراك واضح وإدراك باطن.. وكما أن معلوماتنا أقل حجما من المجهولات كذلك الإدراك الظاهر أقل من الإدراك الباطن، بينما الفضيلة خاصة بالإدراك الظاهر. وذهب إلى القول بأن الإدراكات الظاهرة تأتي نتيجة مجموعة الإدراكات المستبطنة كما أن هدير الموج ناشيء من مجموعة أصوات صغيرة تنشأ من اصطدام قطرات الماء بالساحل.
واعتقد أيضا بوجود قوى ذهنية سابقة هي في الواقع أساس كل معرفة.
والملاحظ في نظريات لابينتس ليس الغموض فقط، وإنما أيضا محاولات فاشلة للتوفيق بين نظريات متباعدة، والمهم فيها أنه يركز على أهمية العقل الباطن ودوره في الإدراك. والواقع ان الإدراكات المستبطنة، والتي نسميها اليوم بالعقل الباطن، هي التي تشكل قوالبنا التفكيرية، وتصوغ نوعية نظرتنا للأحداث والزوايا المختلفة التي نحكم منها على الأمور، كل ذلك بالرغم من أن العقل الرشيد يستطيع التخلص من ضغط (العقل الباطن) ليتجرد في حكمه على الأشياء بموضوعية تامة، ولولا هذه المقدرة في العقل لم يستطع أحدنا الاعتماد أبدا على علمه.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب