فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
دور اللغة: جيم- يلعب التقسيم دورا بارزا في توضيح عمليات العقل عند لوك، ولكنه ليس الأمر الوحيد الذي يكشف لنا عن هذه العمليات عنده.. وذلك لأنه ربط أيضا بين فهم هذه العمليات العقلية وبين فقه اللغة، لأنها تكشف بقدر عن التصورات، وتكون مقياسا أمينا لمعرفة طبيعتها. من هذه الزاوية دخل لوك في تحقيقاته العلمية، التي أجراها في باب اللغة، وأصبح من مؤسسي علم اللغات الحديث، وكان بين استدلالاته اللغوية التي سحبها إلى المنطق، قوله: بما أن تصور الإنسان يعتمد على الإحساس في البداية فإن الرجل البدائي يعبر عنه أولا، فالطفل مثال للفرد البدائي وهو لا يعبر أول ما ينطق إلا عن الأمور المحسوسة. كذلك الأمم المتوحشة، مثال للجماعة البدائية. فلا نجد في لغتهم تعابير تخص الأمور العقلية، وكلما تقدمت الأمة بإتجاه الحضارة كلما زادت تعابير لغتها التي تكشف عن أمور عقلية. بعد أن يضع لوك أسس تفكيره الثلاثة (بيان قوى الإدراك وتقسيم الإدراك، ثم علاقته باللغة المعربة عنه) يعطف نظره إلى حقيقة العلم فيزعم أنها النسبة بين تصورين.. أو إثبات الوجود لتصور واحد ثم يفصل فيقول: أساس علاقة التصور أربعة أقسام: (1) الوحدة، كما تقول: 4×4=16. (2) أو عدمهما، كما تقول: 4×4 لا =15. (3) المقارنة، كالقول: الهواء بارد. (4) إثبات شيء لشيء، مثل أن تقول: الله موجود. ثم يقسم لوك العلم إلى ذاتي وتعقلي وحسي. فالذاتي، هو معرفة نسبة التصورات الذاتية إلى بعضها معرفة مباشرة. والتعقلي، هو المعرفة التي تحتاج إلى استدلال وتفكر مثل معرفة الباري. والحسي، هو المعرفة الناشئة من الإحساس، وهو بالرغم من قلة قيمته الفلسفية لعدم افادته اليقين فإنه ذات قيمة عملية لأننا نعتمد على الحس في كل شؤوننا، وفي العلوم الطبيعية التي مرد تصوراتها تكون في خارج الذهن، فيوصي لوك فيها بالاستدلال بينما يكتفي في العلوم الفلسفية والأخلاقية بالتعقل لأن مواد تصورها في الذهن. ويلاحظ من اتجاه لوك الفلسفي في المعرفة، أنه كان ينوي وضع تقنية للتفكير المنطقي، بمعنى أنه كان يهدف جعل العلم يسير في خط واضح وقوالب معروفة، حتى نستطيع ملاحظة خطواته واحدة بعد أخرى، ثم أخطائه وتصحيحها. وجهود لوك أثمرت في القرن الثامن عشر، إذ قام العلماء بتقنية العلم حسب ما سيأتي الحديث عنه بإذن الله. والملاحظ عليه كذلك تطرفه الشديد بإتجاه تقييم الحس الذي نتج منه أمران: 1- تناسي دور العقل والسابقيات الفكرية، التي يكشفها العقل، في بناء صرح المعرفة، وهذا مخالف للواقع المشهود الذي ذكرنا به في بحوث فلسفية منفردة1. 2- جعل المنهج العلمي خاضعا للتجربة المادية، تتشابه مع سائر التجارب التي تجري على المادة. وهذا مخالف للرأي العلمي السديد الذي يفصل بين أنواع التجربة حسب اختلاف المواد. ومن هنا قال جون ديوي عن لوك: (ان كلمة (خبرة) حين استعملت عند بدء ظهورها استعمالا يضفي عليها الوقار بولغ ـ بغير شك ـ في جانبها المتصل بالملاحظة، كما نرى مثلا عند (بيكن ولوك) ونستطيع أن نلتمس لهذه المبالغة تعليلا سريعا في كونها حدثت في الظروف التاريخية التي حدثت فيها (أي إنها كانت من وحي الظروف الخارجية) ذلك لأن الفكر الفلسفي كان قد تدهور حتى بلغ صورة استبيح معها الظن بأن اعتقاداتنا عن أمور الواقع يمكن، بل ينبغي أن نحصلها بالتدليل العقلي وحده الا إذا كانت مستندة إلى أقوال النقاد، فتولدت عن معارضة هذه النظرة المتطرفة نظرة أخرى تساويها في قصر نفسها على جانب واحد، وهي إن الإدراك الحسي وحده يمكن أن يقرر لنا على نحو مرض ما عسانا نريد أن نعتقده عن أمور الواقع، فأدت هذه الفكرة عند (بيكن) وبعد ذلك عند (لوك) إلى اهمال الدور الذي تؤديه الرياضة في البحث العلمي كما أدت عند لوك إلى تقسيم يوشك أن يكون فاصلا بين معرفتنا لأمور الواقع ومعرفتنا لما يقوم بين أفكارنا من علاقات، على أن هذه المعرفة الأخيرة ـ بناءاً على مذهبه ـ تعود فترتكز في نهاية الأمر على الملاحظة الخالصة سواء كانت تلك الملاحظة داخلية أم خارجية نتج عن ذلك مذهب يرد الخبرة إلى إحساسات هي المقومات التي تتألف منها كل ملاحظة كما يرد الفكر إلى روابط خارجية تصل هذه المقومات على أن المفروض في الاحساسات وفي روابطها معا أن تكون عقلية فقط أي أن تكون نفسية خالصة)1. وبالتالي فإن أساس نظرية لوك الحسي مرفوض فلسفيا، لأنه بدون وجود عقل يكشف عن صحة أو زيف الاحساس لا يمكننا أن نثق به ونستثمره في سبيل تحصيل العلم. وقد تنبه لوك ذاته إلى هذه الملاحظة فجعل العلم الناشئ من الإحساس في الدرجة الثالثة من الأهمية بعد علم يحصل بالوجدان وعلم ينشأ من الاستدلال. ولكن، كل هذه الملاحظات لا تقلل من قيمة نظريات ـ لوك ـ ولا سيما التي تناولت خطوات التفكير، إذ كانت تمهيدا مناسبا لبعض النظريات التي ظهرت في القرن الثامن عشر.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|