فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
كانت .. وبرمجة التفكير البشري كانت: ولد عمانوئيل كانت وتوفي بين عامي (1724 - 1804) في مدينة ألمانية وكانت آراؤه في المنطق حديثة.. فهو يبدأ حديثه عن ذلك بالقول: مادام الفرد لم يجد شيئا (بوجدانه) فإنه يستحيل عليه أن يشعر به.. ولكن متى يجد البشر الأشياء..؟ انما يجدها حيث يتأثر بها وطريق التأثر هو الإحساس. إذا يقول كانت، الإحساس ينبه وجدان البشر ولكنه لا يرى أن الإحساس ذاته الوجدان، إذ يعود ويوضح أن التأثيرات الخارجية التي تفد على الذهن، عن طريق الوجدان لا تعتبر وجدانا بدون وجود قوة في الذهن تنظم هذه التأثيرات وترتبها. ويعتقد أن وسيلة تنظيم الذهن للتمييز بين حس وآخر، وأثر وغيره هو تصور مفطور عليه الذهن ألا وهو تصور الزمان والمكان. فكلما دخل ساحة الذهن إحساس، ألبسه الوجدان ثوبا من الزمان (الذي ليس سوى تعاقب حدث بعد حدث) أو من المكان الذي هو وجود شيء بعد شيء. وكما لا ترى العين الهواء أو الماء إلا من خلال شيء آخر يوضعان فيه أو يختلطان به، فكذلك لا يجد الإحساس شيئا الا من خلال صورته (الزمكانية). ثم يذهب كانت في طريقه الجديد، ليرى أن مجرد تصور الأشياء لا يعد علما بالرغم من إضافة (الزمكان) عليه من ذات النفس إذ العلم (أو الفهم على حد تعبيره) هو إيجاد علاقة بين شيء وآخر، وهذا لا يتحقق بواسطة تصور شيء واحد. ثم يحاول كانت برمجة التفكير فيعطف نظره إلى فهم التصورات وكيفية حدوثه فيقول: إن الفهم هو (فعالية الذهن في ربط الأشياء ببعضها ثم استنتاج الأحكام العامة الكلية منها)، حسنا ولكن كيف يحدث ذلك؟ يزعم كانت أن عملية الفهم بحاجة إلى مادة وهيئة، ومادة الفهم هي التصورات (المركبة بدورها من الإحساس الخارجي والزمكان الداخلي) أما هيئتها فهي الأمور التالية، وهي عبارة عن علاقات تربط بين تصور وآخر.. فتشكل منهما فكرة مفهومة. وهنا يحاول كانت حصر هذه العلاقة وتحديد دورها في صياغة التصورات، فيقول: ان هذه العلاقة أو الهيئات هي أشبه شيء بقوالب فكرية يصب الذهن فيها ما لديه من تصورات ساذجة فيصوغ منها الفكرة.. وهي التالية: الكمية والكيفية والنسبة (الإضافة) والجهة، ولكل واحدة من هذه الأربع ثلاثة أنواع حتى يصبح مجموعها اثني عشر قالبا (أو على حد تعبيره الذي قلد فيه تعابير الفلاسفة الأقدمين (مقولة)). فما هي الأنواع الثلاثة التي تقسم المقولات الأربع؟ 1- الكمية: أ- كلية (كل شخص يموت). ب- جزئية (بعض الناس أغنياء). ج- شخصية (علي عالم). 2- الكيفية: أ- ايجابية (جعفر يذهب). ب- سلبية (لا يذهب جعفر). ج- معدولة (جعفر لا يذهب). 3- النسبة: أ- حملية، تقتضي حمل حكم على موضوع آخر (إمام عادل). ب- شرطية، تقتضي ربط موضوع بموضوع (إن تاب العبد غفر له الرب). ج- منفصلة، وتقتضي ربط ضد موضوع بموضوع آخر (الأرض أو الشمس مركز العالم). 4- الجهة: أ- احتمالية، تقتضي إمكانية حمل الموضوع على الحكم (المريض قد يشفى). ب- حقيقية، تقتضي ربط الموضوع بحكم (الإنسان يموت). ج- ضرورية، تقتضي وجود علاقة ضرورية بين الموضوع وحكمه (لا بد للكون من إله). ويتشابه كانت مع أرسطو في وضع المقولات، التي هي عبارة عن تعيين نوع علاقة التصور بقرينه. وبالتالي الرباط الذي يوصل بين التصورات المختلفة.. ويهدف كانت من ذلك ذات الهدف الذي ابتغاه ارسطو وهو برمجة الفكر كما سبق. والسؤال، الذي حاول كانت الإجابة عليه بعد ذلك، هو كيف تتكون الفكرة (أو المعرفة) ولماذا تستعين النفس بقالبي الزمكان أو بالمقولات الاثنتي عشرة؟ يقول كانت: قبل معرفة أي شيء لا بد أن تعي الذات نفسه ويجد أنه عالم في قبال معلوم محدد.. وبما أن النفس بحد ذاتها أول كل شيء، وبما أنها واحدة منفردة فإنها لا تستطيع ان تجد شيئا الا إذا كان واحدا.. ومن هنا يوحد الذهن بين التصورات المتناثرة التي تردها من كل جانب، في قالبي الزمكان ثم في المقولات الماضية الذكر. ويتساءل ـ كانت ـ في الطريقة التي تبدع النفس بها مقولاتها الاثنتي عشرة، ويجد الجواب جاهزا إذ سبق عنده أن الزمان هو الشرط الأساسي لتصور أي شيء، إذ النفس لا يمكنها تصور شيء بدون إضافة عنصر الوقت إليه... (إذ التصور ذاته يقع في وقت محدد) وهذا الزمان بالذات هو السبب في إبداع النفس المقولات الاثنتي عشرة. لكن كيف؟ ذلك لأن تصور الزمان يجرنا إلى قياس شيء بشيء، ومعرفة الأول والثاني. ويكون هذا تصور للعدد. ثم قد نتصور كل الأزمنة المتوالية، فنهتدي إلى مقولة الكلية، ثم قد نتصور الزمان بدون أي حادث فتأتي مقولة السلب، أو مع حادث فهي مقولة الإيجاب، وهكذا يكون تصور الزمان... سببا في إبداع المقولات. ثم يمضي كانت ليحدد أكثر فأكثر مناهجه المنطقية منطلقا في ذلك من المقولات السابقة.. فيقول: ينبثق من مقولة الكم وجود أجزاء لكل شيء يتصور وبالتالي عدم صحة فكرة الجزء الذي لا يتجزأ. ويأتي من مقولة الكيف وجود درجات قوة لكل شيء مبتدئة من الصفر. وبالرغم من وجود هذه الدرجات، فالقوة كل واحد، أي ليست كل درجة نوعا مختلفا عن سابقتها وينشأ من مقولة الإضافة (أو النسبة) ضرورة ربط الأشياء ببعضها بأحد الوجوه الثلاثة: الاستمرار، التوالي والمقارنة، وكل واحد منها أساس دستور محدد في المنطق: 1- الاستمرار، يعني أن ذات المتغير دائم لا يفنى بالرغم من تطور صفاته. 2- التوالي، يعني إرتباط الأمور المتغيرة ببعضها إرتباط العلة بالمعلول، بحيث لا بد أن يأتي بعضها بعد بعض. 3- المقارنة، تعني ان كل أمرين قارنا في الزمان لا بد أن يؤثرا في بعضهما. هذه هي الأسس التي تبنى عليها علوم الطبيعة الحديثة. ومن الجهة، المقولة الرابعة، تنشأ قواعد ثلاث تعتبر أساس التجربة وهي: 1- كل شيء يتوافق مع أصول الوجدان، وأسس المقولات السابقة، فهو ممكن الوقوع. 2- كل شيء يتوافق مع الشروط المادية للتجربة (بحيث يمكن إحساسه) فهو موجود وواقع. 3- وكل شيء وجوده موافق مع شروط التجربة المادية، وعدمه مخالف لها.. فهو واجب الوجود، وضروري التحقيق. هذه خلاصة أفكار كانت المنهجية والتي بالرغم من وجود عناصر ايجابية كثيرة فيها، فهي تنطوي على أخطاء فلسفية كبيرة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|