فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
نظرية هيجل
في ألمانيا كان يعيش بين سنتي (1770 - 1831م). حاول جمع الفلسفات القديمة إلى بعضها، حتى يكاد يرى في فلسفته من كل نظرية تاريخية أثر مبين.
ابتدأت محاولته التوفيقية من الفهم والعقل، فالفهم الذي اعتبره (كانت) نهاية المعرفة ليس سوى بدايتها، والعقل أو التعقل هو المرحلة الثانية. والفهم يعتمد على ثلاث قواعد عند هيجل:
1- قاعدة الهوية.
2- قاعدة التناقض.
3- قاعدة الثالث المرفوع.
بينما التعقل يتجاوز هذه القواعد الثلاث، ولا يتحدد بموجباتها، إذ ان التعقل بوتقة تسع كل القواعد السابقة.
وقد استطاع هيجل بعد جهد فلسفي التوصل إلى ما زعم انه المرحلة الثانية للفهم وهو التعقل. وقال انه يتم بعد تعقل النفس لذاتها ثم تعقل ما يقابلها ثم الجمع بينهما، وكل شيء يدور في هذا المحور أعرفه وأعرف ما يقابله ثم أعرف النسبة بينه وبين ما يقابله. فمعرفة الضوء غير ممكنة دون معرفة الظلمة، من جهة، ومعرفة العلاقة الموجودة بين الضوء وبين الظلام من جهة ثانية.
أو بالأحرى معرفة الحد بين الشيء وبين ما يقابله، ونوعية النسبة بينهما.
فلا بد للمعرفة من توفيق المتقابلين وجمعهما ليس لمعرفة وجود التقابل بينهما، كما كان هدف فلسفة أرسطو، بل لمعرفة كنه كل واحد منهما، وأن أي شيء هو في الواقع خليط منه ومن مقابله ومناقضه، لأن ما يقابله ويناقضه هو حده وإطاره، وبالتالي طريق لفهمه.
والتطبيق المعروف عن هيجل في هذا الشأن، هو في قضية (الوجود)، التي هي أهم القضايا وأبسطها، وهي بالتالي بداية المسير في موكب الفلسفة عند هيجل، الذي قال فيها: (لا يمكن تصور العدم المطلق ولا الوجود المطلق إلا أنهما لدى التوفيق بينهما ينتج منهما وجود نسبي وعدم نسبي وهوالحق).
إذ ان الوجود المطلق كذب، كما أن العدم المطلق إدعاء كذب. وإنما الصحيح وجود نسبي وعدم نسبي. أو كما تصور هيجل الجمع بينهما، وهو بالتالي جمع بين متناقضين.
ولا يعني هيجل بالجمع ما يرفضه منطق أرسطو (أو بالأحرى الصحيح من منطق أرسطو).
ذلك لأن أرسطو رفض الجمع بين الوجود والعدم في بؤرة واحدة من كل النواحي، وهذا مستحيل عقلا، وقد سبق وأن جعله هيجل مستحيلا، ولكن يعني بالجمع هنا، معناه المطلق الشامل للتحقق في مكان ما وزمان ما، تماما كما مثل لذلك الوجود المطلق والعدم المطلق، وفي تحققهما خارجا، وإنما اعتقد بتحقق الوجود في ظرف والعدم في ظرف آخر.
ويبني هيجل منطقه على فلسفته، والتي في الواقع هي منطقه.
وإذا لم يخلف هيجل منهجا للبحث بالصيغة المعروفة فقد خلف آراء فيها، والتي منها:
1- إن الأشياء لا بد أن تعاد إلى أصولها البسيطة، والتي بالرغم من عدم أهمية معرفتها لأنها بسيطة ومعروفة (وسهلة التناول). بالرغم من ذلك فهي هامة، لأنها أساس كل معرفة.
2- لا بد أن نضع كل شيء بازاء مناقضه ومقابله.
3- ثم نلاحظ النسبة بينهما بالجمع بينهما، أو بالأحرى بمحاولة معرفة الشيء بنقيضه.
وبالتالي، توجد في منطق هيجل، فكرة موجبة يمكننا التركيز عليها والاستفادة منها، وهي:
إن غور العقل يختلف عن ظاهر الفهم، إذ الفهم هو المكلف بتبسيط الحقائق، وترتيبها ووضع الحدود النهائية والا بدية لها.
بينما العقل مكلف بكشف الأشياء والوصول إلى عمقها البعيد. والعلاقة بين الفهم والعقل كالعلاقة بين السكرتير والرئيس.
فالأول مسؤول عن تنظيم وترتيب المواد التي يجب على الرئيس إعطاء الرأي الحاسم فيها.
والفكر إذا جمد على الفهم ابتلي بما ابتلى به منطق أرسطو وتابعيه، واذا تجاوزه بلغ ما بلغه العلم الحديث. والسؤال: ما هو غور العلم الذي يتجاوز ظاهر الفهم؟
الجواب: إنه معرفة العلاقة الإيجابية بين الأشياء، أي معرفة مدى تفاعل الأشياء مع بعضها. وهذا يمكن عند هيجل بالطباق، وهو عملية التوفيق بين الشيء ومقابله.
فهذه العملية ليست غاية في ذاتها، إنما هي وسيلة لمعرفة النسبة بين الأشياء، ولكن لا يظن أننا نعود إلى منطق أرسطو حينما نركز على ضرورة فهم النسبة بين الأشياء والصلة التي تربطها ببعضها لأن أرسطو، كان يريد فصل الاشياء عن بعضها وبالتالي فهم العلاقة السلبية بينها.
بينما نحن نحاول معرفة الصلة الإيجابية بينها، وبالتالي معرفة مدى التفاعل الموجود بين أجزائها.
والمنهج الحديث بعد هيجل اخترع سبلا أخرى لمعرفة التفاعل منها: معرفة الشدة والضعف، والتي تعيد الحقائق إلى مصدر واحد.
يقول الدكتور زكي نجيب محمود بهذا الشأن:
(وقد كان العلم القديم قائما على أساس الصفات الكيفية لا على أساس المقادير الكمية، ـ مثال ذلك ـ أن يقال عن ألعالم انه مكون من العناصر الكيفية الأربعة: التراب والهواء والنار والماء. وهذه تتألف من تركيبات من الأضداد الآتية: رطب ويابس... بارد وحار.. ثقيل وخفيف.
فلم يك يعنيهم بل لم يك يطوف ببالهم أن هذه الأضداد إنما هي أضداد من ناحية الكيف فقط. أما إذا أردنا أن نحددها بدرجاتها الكمية فعندئذ لا يكون البارد مضادا للحار بل يصبح هذان درجات متفاوتة من ظاهرة واحدة.
والذي يعني به هذا العلم هو درجة حرارية مقدارها كذا.. فالمهم هو التفاوت الدرجي).
ثم يضيف الدكتور قائلا: (وتفرع عن الاختلاف السابق اختلاف آخر بين العلم اليوناني والعلم الحديث. فإذا كانت الطبيعة عند اليونان مؤلفة من كيفيات تختلف بعضها عن بعض، فليس الحار هو البارد، وليس الثقيل هو الخفيف، وليس الرطب هو اليابس وهكذا.
إذن، فالطبيعة قوامها أنواع متباينة لا يمتزج بعضها ببعض كأنما أقيمت بينها الحواجز التي لا تدع نوعا منها ينساب في نوع آخر. وصميم المعرفة، بناءا على ذلك، أن نلم بهذه الأنواع عن طريق تعريفاتها التي تحددها تحديدا فاصلا حاسما. وأما العلم الحديث فأساسه على النقيض من ذلك.. إذ إنه يحطم هذه الحواجز بين الأنواع المزعومة ليجد ما بينها من تجانس مردها جميعا إلى أساس واحد هو: المادة والحركة، أو هو ما شئت غير ذلك من أسس تتألف من مدركات كمية وبهذا يرتد العالم إلى تجانس في الكيف واختلاف في الكم وحده). (مقدمة على (المنطق نظرية البحث) ص 19-21).
هذه هي العناصر الإيجابية التي نستطيع استفادتها من فلسفة هيجل، ولكن تطورات هذه العناصر إلى خرافات حينما اتخذت سلاحا سياسيا، هاجم به الماركسيون الفكر الديني والخلقي.
لقد أراد هيجل أن يكون منطقه بداية عصر علمي زاهر فأصبح لدى الماركسية نهاية هذا العصر.
لقد قال هيجل ذاته: (إن كل فلسفة كانت ولا زالت ضرورية ومن ثم فلم تمح فلسفة منها ولكنها كلها محتواة بشكل إيجابي كعناصر.
لكننا يجب أن ننظر إلى المبدأ الخاص لهذه الفلسفات كشيء خاص، ويحقق هذا المبدأ خلال البوصلة الكلية للعالم.
وأشد الفلسفات حداثة إنما هي نتيجة كل الفلسفات السابقة، ومن ثم فلا توجد فلسفة تم دحضها.
إذ إن ما تم دحضه ليس مبدأ هذه الفلسفة بل مجرد ان هذا المبدأ يجب اعتباره نهائيا ومطلقا بالطبع).
فإنما أراد هيجل من وراء فلسفته إحتواء العناصر الإيجابية الموجودة في كل فلسفة تم صياغتها بشكل لا يتعارض مع بعضها.
هذا كان العامل النفسي من وراء نظرية الجدل، بينما استخدمت هذه النظرية بالضبط فيما يناقض هذا المبدأ، فأصبحت من أسباب العنف الفكري.
القسم الأول
عن تطور البحث المنطقي

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب