فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المنطق الاستنباطي
جوهر هذا المنطق أن خطأ الإنسان ناشيء من بلبلة العمليات الفكرية التي يجريها، فإذا انتظمت انتهت أخطاؤه.
لكن، كيف تنظم العملية الفكرية؟
لا بد أن نضع قواعد للاستنباط تسير وفقها العملية الفكرية وتنتهي أخطاؤها.
هذا جوهر منطق الاستنباط أما الصورة التي أوضحت هذا الجوهر والتي تطورت من عصر لعصر، فإنها لا تعرف الا بتفصيل عدة نقاط:
ما هو الاستنباط؟
الاستنباط توضيح للعلاقة القائمة بين صحة فكرة وأخرى. فالعلاقة الموجودة بين موت كل الناس، وموت محمد (ص) التي يكشفها الاستنباط التالي:
كل الناس يموتون؛ ومحمد من الناس؛ فهو أيضا يموت.
وبطبيعة الكلمة (الاستنباط) فهي دالة على ان النتيجة كانت موجودة سلفا في المقدمة، وانما وضحها الاستنباط. فكما أن الماء لا بد أن يكون موجودا في البئر قبل ان نستنبطه (أي نخرجه)، كذلك المعرفة (بالنتيجة) ليست سوى صورة أخرى لمعرفتنا بالمقدمة لا غيرها ولا أكبر منها.
ويفترق الاستنباط في هذه الناحية عن الاستقراء فإنه لا يعطينا ـ عادة ـ معرفة جديدة لم تكن لنا قبلا. فمثلا القضية التالية:
هذه النار حارة ومحرقة، تلك النار حارة ومحرقة، النار التي كانت أمس كانت أيضا حارة ومحرقة، إذا كل نار حارة ومحرقة. إن هذه الصورة الاستدلالية تفترق عن الصورة الأولى في أنها إنطوت على زيادة في المعارف، هي التي قالت لنا ان كل نار حارة ومحرقة. لذلك نستطيع في الطريقة الاستقرائية التنبؤ بالمستقبل بالقول مثلا في القضية السابقة: إذا النار التي سوف توجد في المستقبل حارة ومحرقة، دون ان نستطيع مثل ذلك في الطريقة الاستنباطية.
وحتى في القياسات المستخدمة في الرياضيات، ليست النتيجة أعم من المقدمة حسبما زعم بعض الناقدين، وقال: ان الرياضة ـ وهي تفكير قياسي استنباطي بمعنى الكلمة ـ تنتقل من الحالات الخاصة إلى حالات أشد منها عموما.
ذلك لأن قياس الرياضيات نابع من طبيعتها، والتي هي لا تعدو أن تكون طبيعة مجردة وكلية. فمثلا هذا المثلث حاد الزوايا وهي تساوي كذا.
فكل مثلث حاد الزوايا كذا...
حتى هذا المثل الذي يبدو انتقالا من الجزئي إلى الكلي، ليس سوى انتقال من الكلي إلى مثله، إذ قولنا في البداية هذا المثلث ليس جزئيا ما دام في الرياضيات، لأن المراد من هذا ليس طبيعة المثلث، وما فيه من مواد كيماوية، بل المراد منه مجرد شكله والشكل عام لا خاص.
وقد لخص (كلود برناد) فكرته عن العلاقة بين القياس والاستقراء، في ان للاستدلال صورتين إحداهما خاصة بالبحث، وهي الاستدلال الاستقرائي، والأخرى خاصة بالبرهنة، وهي الاستدلال الاستنباطي وإن هاتين الصورتين تستخدمان في كل العلوم سواء كانت علوما رياضية أم تجريبية، لأن هناك استيفاءا يجهلها الإنسان فيضطر إلى استخدام الاستقراء في الكشف عنها وأشياءا يعتقد أنه يعلمها فيستعين بالقياس في عرضها على طريقة البرهان. ثم يقول: إن طريقة التفكير واحدة لدى كل من عالم الرياضة وعالم التاريخ الطبيعي، فليس ثمة فارق بينهما عندما يتناولان الاهتداء إلى المبادئ التي يستخدمها كل منهما في الاستدلال.
إذا الاستدلال القياسي لا بد منه حتى ولو اتجهنا ناحية الاستقراء.. وذلك لأن الاستقراء آنئذ يكون من المحتويات التي يصوغها القياس ليستنبط منها معلومات أخرى.
ويعود السبب في الهجوم على القياس من قبل قسم كبير من الفلاسفة إلى أولئك الذين تبنوا فكرة القياس، وأشادوا بها، لا إلى القياس ذاته ذلك لأنهم استغنوا بالقالب عن المضمون، واكتفوا ببعض أقسام القياس وزعموا بأن نتائجها عامة وجازمة ومطلقة مما أثار سخط العلماء جميعا. نعم هاجم ديكارت القياس، ولكنه عاد وأكده في صورة جديدة.
وقد واكب الاستدلال الاستنباطي التقدم العلمي وكانت له مراحل أربع:
1- المرحلة الأولى: ابتدأت باقتباس أرسطو بعض المبادئ الرياضية في المنطق، وظهر على شكل منطق الفئات، وهو المنطق الذي يبين كيفية سحب علم الفئة إلى أفرادها. فيكون سقراط من فئة الناس، له حكم الناس، فإذا الإنسان فانٍ (وبما ان سقراط إنسان فإن سقراط فان). وقد سبق موضوع مستقل حول منطق أرسطو وما له وما عليه.
2- المرحلة الثانية: وبعد آلاف السنين ظهرت عدة تطورات في المنطق الأرسطي على يد الفلاسفة المسلمين. ولكن طمست معالمها مع الزمن.. ثم ظهرت على شكل منطق العلاقات الذي تجاهله المنطق الأرسطي بالرغم من قرب صلته به، وهو المنطق الذي يحدد الرابطة الثابتة بين حقيقة وأخرى... بالرغم من انها ليست من نوع رابطة الفئة بأفرادها.
فمثلا: إذا كان إبراهيم أبا إسحاق فإن علاقة الأبوة لا يمكن التعبير عنها في الصورة الاستدلالية، التي اقترحها منطق ارسطو، انما هي بحاجة إلى صورة أخرى.
هكذا، إذا كان إبراهيم أبا لإسحاق كان إسحاق إبنا لإبراهيم.
وقد تطور منطق العلاقات منذ اقترح ديكارت سحب منهج الرياضيات إلى العلوم، وزعم بأنه ذلك المنهج السليم الذي يبلغ بالعقل إلى جميع العلوم.. ويتميز المنطق الحديث بأنه حقق تطوره من ميدان الرياضيات، وليس من داخل الفلسفة نفسها.
3- المرحلة الثالثة: بدأ المنطق الاستنباطي يتطور إلى منطق رمزي وأول من اقترح ذلك بوضوح كان الرياضي، الذي اهتم بالمنطق، وهو ليبينتس، حسبما سبق الحديث عنه. وقد كانت النتائج ثورية لكن الاجراءات العلمية لم تساعد تطور المنطق الرمزي الا بعده بقرن ونصف، أي في القرن التاسع عشر.
ولو نظرنا إلى هذا القرن في تاريخ الفكر بدا هذا التطور طبيعيا. إذ في هذا القرن طبق على مجال المنطق، ما طبق على غيره من حقول المعرفة من البحث عن صيغة قابلة للتطبيق العملي وهي الصيغة التي أحرزت نجاحا كبيرا في كل العلوم. وذلك بدوره جاء نتيجة طبيعية لتعقد التفكير العلمي وازدياد دقته1.
وأهمية اكتشاف المنطق الرمزي، نابعة من قدرته على تطوير جوهر المنطق الصوري، بالرغم من أنه اتجه ناحية أسلوب البيان فيه، ذلك لأن جوهر المنطق الصوري لا يعدو البحث عن لغة سليمة للتفكير تسهل عملية الاستنباط وإدخال الرموز إلى هذا المجال. ولقد سهل المنطق الرمزي هذه العملية، إذ إن تشابك عدة حقائق مع بعضها يجعل من الصعب جدا استنباط الفكرة منها إذا أردنا التعبير عنها باللغة المعتادة بيد أنه لو بدلنا هذه اللغة إلى رموز استطعنا بسهولة معرفة ارتباطات هذه الرموز، وبسهولة تمكنا من تطبيقها على الواقع الخارجي، تماما كالحساب الذي يصعب علينا فهمه لو أردنا التعبير عن ذات الأشياء بينما حين نجردها إلى أرقام يسهل ذلك.
من هنا ليس التدوين الرمزي أداة لحل المشكلات فحسب، بل انه أيضا يفصح المعاني ويزيد من القدرة على ممارسة التفكير المنطقي1.
ولقد أتاح بناء المنطق الرمزي البحث في العلاقات بين المنطق والرياضة من زاوية جديدة، هي زاوية توحيد العلمين مع بعضهما.
فلماذا يوجد لدينا علمان يبحثان واقعا واحدا هو نواتج الفكر المجرد؟ من هنا قام برتراند رسل والفرد نورث وايتهد بدارسة هذه المشكلة وخرجا بنتيجة هامة: ان الرياضيات والمنطق هما بالتالي علم واحد، وإن الرياضة ليست سوى فرع من فروع المنطق، وجهت فيه عناية خاصة للتطبيقات الكمية، بينما سائر الفروع لم تتلق هذه العناية قديما2.
لكن بما ان العلوم الحديثة تتجه اليوم إلى الجانب الكمي، تاركة الجانب الكيفي للبحوث القديمة، فإن منهج البحث فيها يتجه هو الآخر إلى المنهج الكمي الذي هو من خصائص منهج الرياضيات. وبالتالي يكون منهج الرياضيات شاملا للمنطق.
4- المرحلة الرابعة: وبالتالي نجحت الفكرة القائلة بضرورة تحويل المنطق الصوري إلى منطق رياضي بعد إدخال مبادئ المنطق في الرياضيات.
يقول كاروتشيد: إنني سأستخدم المنطق الرياضي لكي أعبر به بمجموعة المبادئ الخاصة، بالبنية العقلية المتعلقة بالنظريات الرياضية3.
ويقول هيلبرت واكرمان: إن المنطق الرياضي، ويسمى كذلك بالمنطق الرمزي، امتداد للمناهج الصورية الخاصة بالرياضيات إلى مجال المنطق4.
ومن هنا نعرف المنطق الرمزي هو بالذات المنطق الرياضي اللهم الا في الفرع الذي يهتم به المنطق الرياضي، وهو الرياضيات ولا يهتم به بالخصوص المنطق الرمزي.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب