فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المنهج التجريبي:
الفرق الكبير بين المنهج التجريبي والمنهج الاستنباطي ، يكمن في أن المنهج التجريبي، يسعى من أجل بلوغ المزيد من المعرفة من خلال تنظيم الملاحظة، وتنسيق المعارف الجزئية الناشئة منها.
والمنهج التجريبي مر بمراحل عديدة حتى صار بوضعه الحالي.
ولا ريب أن مخاض المنهج التجريبي كان عسيرا، إذ استمر يحاول الظهور منذ عهد سقراط، بل ومن قبله. إذ ان فلسفة اليونان (كثيرا ما كانت تشمل أجزاءا نعدها اليوم منتمية إلى مجال العلم التجريبي، كالنظريات الخاصة بأصل الكون، أو بطبيعة المادة، ومن هذا القبيل مذاهب التجريبيين اليونانيين، التي نجدها في الفترة السابقة على سقراط، وكذلك في الفترة المتأخرة للفلسفة اليونانية).
(ولقد كان أبرز هؤلاء الفلاسفة هو ديمقرايطس (Democritus) وهو معاصر لسقراط، يعد أول من طرأت على ذهنه الفكرة القائلة، ان الطبيعة تتألف من ذرات، ومن هنا كان يحتل مكانه في تاريخ العلم، فضلا عن تاريخ الفلسفة..)1. (ويمكن ان يعد الشكاك من بين الفلاسفة اليونانيين الذين كانوا يعتقدون أن المعرفة، لا بد ان تكون يقينية على نحو مطلق، وقد أدرك كارنيدس (Carneddes) في القرن التاسع ق.م. أن الاستنباط لا يمكنه تقديم مثل هذه المعرفة، لأنه لا يقتصر على استخلاص نتائج من مقدمات معطاة، ولا يستطيع اثبات صحة المقدمات، كما أدرك انه لا ضرورة للمعرفة المطلقة، من أجل توجيه الإنسان في حياته اليومية. والواقع أن كارينادس بدفاعه عن الرأي الشائع، وعن الاحتمال، قد أرسى دعائم الموقف التجريبي في بيئة عقلية)2. كان اليقين الرياضي، يعد فيها الصورة الوحيدة المقبولة للمعرفة. وقد استمر الاتجاه إلى التجربة، عن طريق الشك في المعلومات العقلية المجردة، في القرون التالية. وكلما كانت تقوم حضارة ترتفع أسهم الحركة التجريبية ولكن ظل الاتجاه العام في الفكر هو الاتجاه العقلي، أما التجربة، فقد كانت من خصائص أصحاب الحرف، والصناعات، وفي بعض الأوقات الأطباء، وقد كان سكتس ايرامبيريكوس (Sextus Erampiricus) في حوالي العام 150 م رائدا لمدرسة الأطباء التجريبيين، مع أنه كان شكاكا.
وحين انبثقت الحضارة الإسلامية، وجاءت معها بروح علمية جديدة، واستخدمت العلم أداة لتطوير الحياة، نشطت الحركة التجريبية، وظهر في علماء المسلمين، كثيرون اعتمدوا التجربة منهجا أساسيا في المعرفة، وأبرزهم كان جابر بن حيان في القرن الثاني للهجرة1.
كذلك كان الحسن بن الهيثم، تجريبيا اشتهر في الغرب بمؤلفاته في حقل البصريات، إلا أن أفول نجم المسلمين، رافقه ضعف في حركة التجربة، وانعطاف جدي إلى المناهج العقلية. وفي الغرب شهدت الفترة هذه جمودا حضاريا، إنعكس، بالطبع، على المدرسة التجريبية، حيث كانت الفلسفة في القرون الوسطى (إسم يطلق على هذه الفترة بالذات) من اختصاص رجال اللاهوت، الذين حصروا أنفسهم على المنهج المدرسي، وأضفوا عليه طابعا دينيا وأبعدوا المنهج التجريبي بالطبع عن واقع الحياة.
وفي بقعة الظلام المحيطة بالعصور الوسطى، ظهر بصيص نور متمثلا في فلاسفة من أمثال: روجر بيكون، الذي كان من الذين نقلوا روح التجربة العلمية، من بلاد المسلمين إلى الغرب2، وبيتر أوريولي ووليم الأوكامي و...
وبظهور العلم الحديث، في حوالي عام 1600، بدأ المذهب التجريبي يتخذ شكل نظرية فلسفية إيجابية، قائمة على أسس متينة، يمكن أن تدخل في منافسة ناجحة مع المذهب العقلي3.
وقد سبق أن تحدثنا بإسهاب عن مذاهب فرانسيس بيكن (1650 -1626) وجون لوك (1632 -1704)، وآخرين من الذين أسهموا في بناء المنهج التجريبي الحديث.
ان ذلك كان جانبا واحدا فقط من جوانب المنهج التجريبي. وهو الجانب النظري منه فقط، وهناك جانب آخر للمنهج التجريبي، هو الجانب العملي منه، وهو ذلك الجانب الذي يعتمد على (صنع ظاهرة)، من ظواهر الحياة ثم ملاحظتها، ودراسة أسبابها وميزاتها وطرق التحكم فيها.
ويفترق هذا الجانب عن ذاك في أمرين:
1- إن صنع الظاهرة، يخضع لشروط الباحث نفسه، ويستطيع بذلك إبعاد كافة الملابسات التي قد تشوش الرؤية، وتعوق دون فهم حقيقة الظاهرة، والعوامل الأساسية المؤثرة في ظهورها.
بينما ملاحظة ظاهرة طبيعية لا تخضع لشروط الباحث، وتتداخل فيها عوامل عديدة، يصعب تمييز العامل الحاسم من بينها.
2- إن التجربة النظرية، هي حصيلة العلوم النظرية التي لا تحتاج إلى جهد إضافي، بينما التجربة العملية، هي من نوع القيام بعمل تغيير في الحياة، ويحتاج إلى جهد، والى ايجاد شروط صعبة في الحياة، ولذلك استطاع العلماء ـ اليونان ـ اكتشاف أهمية المنهج التجريبي، نظريا، بينما لم يقدروا على إجراء أبسط التجارب العملية، التي لو أنهم جربوها لكانوا اكتشفوا حقائق كثيرة.
فمثلا: الفكرة القائلة أن الشمس والأرض والكواكب، تتحرك حولنا لم تكن مجهولة لليونانيين، فقد اقترح أرسطوفوس الساموسي (Aristarchus of Samos) بصواب فكرة النظام المتمركز حول الشمس، في حوالي عام 200 ق.م، ولكنه لم يتمكن من اقناع معاصريه بصواب رأيه، ولم يكن في استطاعة الفلكيين اليونانيين أن يأخذوا برأي أرسطوفس لأن علم الميكانيكا، كان في ذلك الحين في حالة تأخر، مثال ذلك ان بطليموس اعترض على أرسطوفوس بالقول: أن الأرض، ينبغي ان تكون ساكنة، لأنها لو لم تكن كذلك، لما سقط الحجر، الذي يقع على الأرض، في خط رأسي، ولظلت الطيور في الهواء، متخلفة عن الأرض المتحركة، وهبطت إلى جزء مختلف من سطح الأرض، ولم تجر تجرية إثبات خطأ حجة بطليموس، الا في القرن السابع عشر، عندما أجرى الأب جاسندي (Gassendi)، وهو عالم وفيلسوف فرنسي كان معاصرا لديكارت وخصما له، أجرى تجربة على سفينة متحركة، فأسقط حجرا من قمة الصاري ورأى انه وصل إلى أسفل الصاري تماما. ولو كانت ميكانيكا بطليموس صحيحة لوجب ان يتخلف الحجر عن حركة السفينة، وان يصل إلى سطح السفينة، عندما يقع في إتجاه مؤخرتها.
وهكذا أيد جاسندي، قانون جاليلو، الذي اكتشف قبل ذلك بوقت قصير، والذي يقول: ان الحجر الهابط يحمل في ذاته حركة السفينة، ويحتفظ بها وهو يسقط.
فلماذا لم يقنع بطليموس بتجربة جاسندي؟ ذلك لأن فكرة التجربة العلمية متميزة من القياس والملاحظة المجردة، وهي لم تكن مألوفة لليونانيين1. وهكذا عرفنا أن هذه التجربة البسيطة، لو أجراها العلماء اليونانيون، لكان علم الفلك الحديث قد تقدم أربعة آلاف سنة. ان ذات التجربة التي قام بها جاليلو، كان بالإمكان أن يقوم بها بطليموس لو أنه لم يكتف بمجرد ملاحظة الظاهرات الكونية، وصياغة النظريات العامة!
إلا أن الذي حدث فعلا، كان مختلفا عما يتمناه الإنسان اليوم، وهو أن البشرية بلغت مرحلتها المتقدمة، من العلم منذ القرن الخامس عشر، حيث دخل في الأوساط العلمية، وليد جديد هو العلم التجريبي العملي. (حيث كان جاليلو (1564-1641) أول من وجه التلسكوب الذي اخترعه صانع عدسات هولندي إلى السماء، في إيطاليا. واخترع إيطالي آخر كان صديقا لجاليلو، هو توريشيلي (Torricelli) البارومتر، وأثبت أن للهواء ضغطا يقل بازدياد الارتفاع. وفي ألمانيا اخترع جوريكة (Guericke) مضخة الهواء، وأوضح أمام الجمهور الذي عقدت الدهشة لسانه، قوة الضغط الجوي، بأن تجمع بين نصفي كرة فرِّغ ما بينهما من الهواء، ولم تستطع مجموعة من الخيول أن تفصل أحدهما عن الآخر).
واكتشف هارفي (Hervey) الدورة الدموية، ووضع بويل القانون الذي يعرف بإسمه، والخاص بالعلاقة بين ضغط الغاز وحجمه1. وهكذا توالت الاكتشافات، لتفتح نافذة جديدة على عالم المجهول، هي نافذة التجربة العملية.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب