فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الجمع بين التجربة والاستنباط: في بداية عهد المنهج التجريبي كان الاتجاه السائد، هو الاكتفاء به عن المنهج الاستنباطي. ولكن هيوم كان أول قائد حقيقي جاء في فورة الغرور التجريبي، ليوجه انتقادا حقيقيا إلى التجربة، حيث ذهب هيوم إلى انتقاد خلاصته استحالة التدليل على مشروعية الاستدلال الاستقرائي. وقال: فما هو الدليل على إمكان الاعتماد على التجربة؟ هل التجربة ذاتها؟ إذا تلك العملية تدور في حلقة مفرغة (التجربة، دليل الصحة للتجربة ذاتها، أليست هذه حلقة مفرغة؟) ولذلك لا يمكننا ان نعتمد على التجربة في معرفة المستقبل، بالرغم من أننا نقدر على الحصول على علم محدود عن طريقها بالحاضر، فنستطيع أن نعرف بالتجربة ان كل غراب هو أسود لأننا حين أحصينا الغربان، رأيناها جميعا سودا، أما هل نستطيع أن نعرف أن غراب الغد هو أسود أيضا؟ وبأي دليل؟. يقول هيوم: (لعله مجرد عادة نفسية، الاعتقاد بأن الشمس سوف تشرق غدا لأننا لم نتعود أنها لم تشرق. ولكن دون أن نقدر على إقامة دليل علمي قاطع، ان الشمس تشرق أيضا في الغد). ولقد أدخل هيوم التجربة المجردة، في مأزق حقيقي، وأجبرها على التماس حماية لها، من المنطق العقلي، وانتهى الأمر بالتجربة أن استفادت من الاستدلال الرياضي. وذلك ان هيوم، زعم أنه إما أن يكون صاحب النزعة التجريبية تجريبيا كاملا، ولا يقبل من النتائج سوى القضايا التحليلية المستمدة من التجربة، وعندئذ لا يستطيع القيام باستقراء، ويتعين عليه أن يرفض أية قضية عن المستقبل، وأما أن يقبل الاستدلال الاستقرائي، وعندئذ يكون قد قبل مبدأ غير تحليلي، لا يمكن استخلاصه من التجربة1. هذا المأزق دفع بالمنهج التجريبي، للقبول بمبدأ تحليلي رياضي، هو مبدأ الاحتمال، الذي جمع بين النسق التجريبي والمنهج الرياضي، وأكمل الواحد بالآخر. ومن الطبيعي أن نرجع الفضل في ذلك إلى نيوتين الذي أدخل تلك التجربة العملية في بوتقة الفكر الرياضي، واستطاع أن يستخلص منها نظرية ثابتة. والحق ان قصة نيوتن، من أروع أمثلة المنهج العلمي الحديث، فمعطيات الملاحظة هي نقطة بدء المنهج العلمي، غير أنها لا تستنفذ هذا المنهج، وإنما يكملها المنهج الرياضي، الذي يتجاوز بكثير نطاق اقرار ما لوحظ بالفعل، ثم تطبق على التفسير نتائج رياضية تظهر صراحة نتائج معينة توجد فيه بصورة ضمنية. وتختبر هذه النتائج الضمنية بملاحظات هي التي تترك لنا مصحة الإجابة بـ(نعم) أو (لا). ويظل هذا المنهج إلى هذا الحد تجريبيا غير أن ما تؤكد الملاحظات صحته يزيد كثيرا على ما تقوله مباشرة، فهي كسبت تفسيرا رياضيا محددا، أي نظرية يمكن استنباط الوقائع الملاحظة منها بطريقة رياضية2. ولقد كان لرجل الرياضة الشهير ج. ف. ليبينتس الفضل في معالجة المشاكل المنطقية من وجهة نظر رياضية. ولقد استطاع هذا الرياضي القدير أن يكشف كثيرا من الحقائق العلمية بمنطقه الرياضي ودون الاعتماد على التجربة. وزعم أن من الممكن رد كل علم إلى الرياضة آخر الأمر. وبهذه الطريقة المتطرفة أثبت ليبينتس3 صحة قول جاليلو: بأن الطبيعة قد كتبت بطريقة رياضية والمنطق التجريبي الحديث لا يعدو أن يكون قد كتب هو الآخر بلغة رياضية، والمناهج العلمية المستخدمة فيه تجمع بين صراحة الرياضة وتواضع التجربة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|