فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المنطق الاجتماعي
ونعني به، ذلك المذهب المنطقي الذي يرى الواقع الاجتماعي، مصدرا أساسيا للفكر، ولطريقة التفكير.
وهو يزعم أنه لا بد لنا لكي ندرس منهجا معينا للفكر ان ندرس سلفا البيئة الاجتماعية لذلك الفكر، إذ أنها أصل ذلك المنهج.
وفيما يلي سوف نبين تاريخ هذا المنطق منذ البداية1.
أشار أغلب الفلاسفة إلى أهمية حس التوافق مع الاجتماع في التأثير على الفرد، إلا أن تلك الإشارة لم تتجاوز حدود الفلسفة، فلم يكن (علما) للاجتماع ولا (مذهبا) في المنطق، أما الذي يمكن أن نبدأ به تاريخ علم الاجتماع، والمذهب الاجتماعي، في المنطق، فهو أوجست كونت، شيخ علماء الاجتماع الذي تناول (مسألة المنهج) ونقلنا نقلة هائلة من المنطق التجريبي، إلى المنطق الوضعي (الاجتماعي).
فقد هاجم كونت المنطق الصوري الذي أقامه الميتافيزيقيون، إذ أنه (عنده) منطق جدلي، ينمي قوة الجدل، ولا يكشف عن شيء، كما أن القياس الأرسطي، إنما يفسر لنا ما نعلم، دون أن يكشف ما نجهل.
ثم إن كونت انتقد أيضا الاتجاه التجريبي الخالص، كما يتمثل عند بيكون، وحاول أن يصطنع لنفسه منطقا وضعيا (تستند إليه فلسفته الوضعية) من جهة، ويعبر عن نظريته السوسيولوجية العلمية من جهة أخرى، ولكن كيف فعل ذلك؟
كونت حين أثار مسألة المنهج في المنطق، وفي علم الاجتمع، إنما حاول أن يشرع لمناهج الفكر قانونا عاما، يفسر تقدم الذكاء الإنساني، ويعبر عن (تطور أشكال الفلسفات والمناهج المتتابعة خلال التاريخ) وكان هذا القانون يتلخص عنده بقانون الحالات الثلاث، الذي اعتبره القانون المطلق لتطور الفكر والمنهج، وهو القانون العام الذي يكشف عن الرابطة الأصيلة بين المنطق وعلم الاجتماع.
فذهب كونت إلى أن منطق الإنسان (بمعنى فكره أو عقله) انما يتدرج مع تدرج المجتمع، وتطوره من حالة (غيبية أولية) إلى حالة (ميتافيزيقية) انتقالية، ومن ثم يصل العقل الإنساني، في النهاية إلى مرحلة (الروح الوضعية). إذا فللإنسان ثلاث حالات، ولمنطقه أيضا ثلاث حالات: حالة الغيب المطلق، حالة الغيب المحدد، وحالة العلم.
ولما كان الأمر كذلك، فإن كونت أرّخ للمنطق الإنساني، وجعل منه تاريخا للفكر الاجتماعي، وخلق للتاريخ منطقا محتوما يسير في حلقات، ويمر بأطوار وأحقاب ويسميها في أغلب الأحيان (فلسفات).
وتخضع هذه الحالات، أو الفلسفات، لقانون ديناميكي تطوري، هو قانون الحالات الثلاث الآنفة الذكر، الذي هو في نفس الوقت، قانون التقدم، الذي يرى أن ظهور الفلسفات في أنفسها ما هي الا (مراحل إجتماعية) تحتمها فلسفة التاريخ.
لذلك كانت الفلسفة الميتافيزيقية، في رأي كونت، ما هي إلا مرحلة تتسم بالضرورة والحتم. إذ تحتمها ضرورة الانتقال من المنطق اللاهوتي الغيبي إلى (وضعية العلم)، حيث يشاهد الفكر عالم (الحقيقة النسبية) تلك التي وجدناها عند كونت تنبثق من (الروح الوضعية).
إلى هنا ينتهي إسهام كونت في المنطق الاجتماعي. فمجمل نظرياته المنطقية يتخلص في:
1- ان المجتمع يتطور في حالات ثلاث، حالة الغيب (حيث ينسب كل حادث إلى أمر غيبي)، وحالة الفلسفة شبه الغيبية (حيث ينسب كل حادث إلى قوة خفية معينة فيه)، وحالة السبب (حيث تنسب كل حادثة إلى سببها الظاهر).
2- فكرة الفرد في كل مرحلة من هذه المراحل خاضع للحالة الاجتماعية ولا يمكن تحويله عنها.
أما بعد كونت فإن واحدا من كبار تلامذته، وأعني به لوسيان ليفي بريل طلع علينا بقانون جديد للفكر، حيث أثار مشكلة (قوانين الفكر) وبخاصة (قانون الذاتية) و(عدم التناقض) وحاول أن يشرع للعقل البدائي قانونا يصدق على كل مظاهره، ويفسر أحواله الغيبية. فاصطنع قانون المشاركة، على اعتبار أنه القانون المميز للعقلية البدائية، بمعنى أن البدائيين ـ فيما يذهب ليفي بريل ـ قد غفلوا عن مبدأ التناقض، لأنهم لا يميزون بين الأشياء، بل يخلطون بينها أشد الخلط، بمعنى آخر بالنسبة للعقلية البدائية ـ فيما يقول ليفي بريل ـ لا يحتم التناقض بين الواحد والكثير، وبين الذات والغير، وان تأكيد أحد الطرفين لا بد ان يوجب نفي الآخر، إذ ان هذا التناقض المنطقي الواضح، لا يهتم به العقل البدائي كثيرا.
وهناك مساهمة أخرى قام بها دوركايم حين وقف من المنطق موقفا خاصا. فقد ذهب دوركايم إلى أن المنابع الاجتماعية هي المصادر الأولية لمدركاتنا وتصوراتنا المنطقية، لأن الإنسان ليس منفردا في مواجهته للطبيعة، بل أن المجتمع يساعده على ذلك. فالمجتمع إذا يقف حاجزا بين الإنسان والعالم، لذلك كانت عمليات الإدراك والتصور مشوبة بعناصر إجتماعية آتية من طبيعة الموقف الاجتماعي للإنسان، حيث تتأثر العمليات المنطقية، وتتشكل نظرة الإنسان إلى العالم الطبيعي، وبالتالي تصدر أحكامه وقضاياه من خلال نظرته إلى عالمه الاجتماعي، فمن المجتمع قد وردت على الإنسان وسائل فهمه للطبيعة، وأدوات إدراكه لها، وبذلك تستمد الأحكام المنطقية أصولها ومصادرها من المجتمع، بمعنى أن (الإطارات المنطقية) ليست إلا شكلا من أشكال (الإطارات الاجتماعية).
والمنطق الفردي ناشيء بالضرورة عن المنطق الجمعي. ففكرة التناقض، وهي من قواعد المنطق الرئيسية، ليست في ذاتها اجتهادا عقليا يقوم به الإنسان إنما تنشأ أصلا عن ذلك التناقض الاجتماعي بين ما هو (مقدس) وما هو (غير مقدس). وفي ضوء ذلك التمايز الديني، إستطاع الإنسان أن يميز بين الصواب والخطأ. بمعنى أن هذا التمايز المنطقي مرجعه إلى المجتمع، واتفاق الجماعة أو عدم اتفاقها، وعند دوركايم لم تسلم فكرة الهوية أو الذاتية من النشأة الاجتماعية، حيث يرد معنى الذاتية إلى فكرة الشخصية.
فمن المجتمع ـ في زعم دوركايم ـ صدرت نماذج التصنيف المنطقي، واستنادا إلى التنظيم البنائي للأشكال (المورفولوجية) الداخلة في البناء القبلي وتنبعث قوالب التنظيم المنطقي، ولذلك، يقول دوركايم: (إن الحدود والمراتب المنطقية، هي في الحقيقة شكل آخر للحدود والمراتب الاجتماعية). كما أن الروابط المنطقية التي تربط بين أفراد الجنس والنوع لا تفهم إلا في ضوء الروابط الاجتماعية التي تربط بين أفراد الاتحاد والعشيرة. ومن ثم كانت الاتحادات أوائل الأجناس، وكانت العشائر أوائل الأنواع! وهكذا أنهى دوركايم ما بدأه كونت الذي قال: ان فكر الإنسان يصنع قالب الاجتماع، أما دوركايم فبين كيفية ذلك، فأرجع كل مقولات المنطق، من الذاتية واستحالة التناقض والجنس والنوع، و.. و..، إلى وقائع اجتماعية.
هذا تاريخ المنطق الاجتماعي ولنا عليه تعليق مقتضب هو:
إن المنطق الاجتماعي أصاب نصف الحقيقة أما نصفها الآخر، فهو ان السبب الرئيسي الذي يكمن وراء التوافق بين الإنسان الفرد، فكره وسلوكه وبين محيطه الاجتماعي، ليس حتمية التبعية كتبعية الشمس للسير في مجراها المرسوم، انما هو سبب إرادي خاضع لإرادة الفرد ذاته، وهذه الإرادة تتردد بين أتباع المجتمع أو التوقف على (هدي العقل) الذي زود كل فرد به، وعقل الإنسان واحد، وحكمه أيضا واحد، أنى اختلفت الظروف وتفرقت الأهواء.
من هنا اعترض بيتريم سوروكين على فكرة الأصل السوسيولوجي، لمقولات الفكر الإنساني، وهي أعم وأهم التصورات العامة في المنطق الاجتماعي، فأنكر مزاعم دوركايم بصدد هذا الأصل، الذي يثير الشك والريبة، إذ إن المقولات المنطقية الرئيسية، انما هي واحدة بذاتها في عقول الفلاسفة، ونجدها كما هي نفسها عند كونفوشيوس وأرسطو وكانت ونيوتن وباسكال، فكيف نفسر عمومية تلك المقولات وثباتها في عقول الفلاسفة، على الرغم من اختلاف شعوبهم وثقافاتهم؟!
ولو كان الإنسان إبن مجتمعه، لما كان يستطيع أن يساهم في تقدم هذا المجتمع، ولما كان المجتمع يتقدم أبدا وكان الإنسان باق على بدائيته القديمة، لأنه ليست هناك قوة تتمكن ان تقدم هذا المجتمع، الا قوة أفراده الذين تعوزهم، حسب هذا الفرض، القدرة على التغيير والإصلاح.
إنما الصحيح ان الإنسان يملك جانبين، جانب الخضوع والاستسلام، وبهذا الجانب يتوافق مع مجتمعه وبيئته، مع والديه وأسرته، مع مدرسه وأستاذه، مع الدولة التي يعيش فيها و. و..
والجانب الآخر: هو التحرر من قيود البيئة والانطلاق في رحاب الحياة، فكرا وسلوكا، ولقد زود الإنسان بالشعور بالذاتية والاستقلال والحرية، كما زود بالعقل القادر على فهم الصواب والخطأ، والحق والباطل، والنافع والضار، والقادر أيضا على وضع مقاييس لتقييم أفكار المجتمع وسلوكه بها.
بهذا الجانب يطور الفرد مجتمعه، ويؤثر فيه، وتتكاثف جهود الأفراد لتدفع بالمجتمع قدما إلى الأمام.
واذا كان الفرد إبنا لبيئته بالجانب الأول، فإنه أبوها بالجانب الثاني.
وإذا كان الفرد يخضع لمجتمعه، فليس عبثا إنما بسبب القهر الاجتماعي، المتمثل في أنواع من الضغوط، والعقوبات والروادع، التي يمارسها المجتمع تجاه الفرد، وبقدر ضعف إرادة الفرد في مقاومة تلك الضغوط، وبقدر قوة تلك الضغوط، سيكون مدى خضوع الفرد واستسلامه لمجتمعه.
لهذه نجد المجتمعات، التي تتسم بطابع العسكرية، والتي تكثر فيها الروادع، وتشتد العقوبات، تمتلك قدرة قهرية أكبر على الأفراد، بينما المجتمعات المائعة لا تملك تلك القدرة.
ومن جهة أخرى، يقل مستوى الخضوع عند الشباب، الذين يملكون قدرا أكبر من الشعور بالقوة، ومن إرادة التحدي، لأنهم يقاومون ضغوط المجتمع. ثم ان ضغوط المجتمع هي عمليات مزيجة من التربية وتقليد الآباء، وحسن التوافق مع الناس، والنظام الاقتصادي و.. و.. مما سوف نتحدث عنها إن شاء الله، ونبين أنها لا تعدو أن تكون ضغوطا، دون أن تكون عوامل حتمية.
وكلمة أخيرة:
يبدو أن فلاسفة التاريخ، الذين سعوا وراء معرفة السنن العامة لتطورات التاريخ، من أمثال آرنولد توينبي، ومالك بن نبي وابن خلدون ومن أشبه، هم في الواقع من المناطقة الاجتماعيين، الذين تصوروا أن للتاريخ سننا عامة، تنعكس على حالة المجتمع، وتنعكس تلك الحالة على الأفراد، وإنا نجد الشبه الكبير بين مراحل كونت في الفكر، وبين مراحل توينبي في الحضارة إذ أن الفكر لا ينفصل عن الحضارة، وأن الحضارة تخلق بالطبع نوعا من الفكر متناسب لها.
وعلينا أن نقيم نظرية الدورات الحضارية، أو نظرية التحدي والتحدي المعاكس، في تفسير تحولات التاريخ؛ نقيمها وفق رؤيتنا إلى المنطق الاجتماعي، وانه لا يعدو ان يوجد نوع من الضغوط على الفرد، للفرد أن يتحداه، وله أن يستجيب ويستسلم له.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب