فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
آراء في المنطق الحديث
يمكن أن نعتبر القرن التاسع عشر عصر الإيديولوجيات1 وكذلك عصر المنطق والمناهج، إذ يرتبط المنطق بالإيديولوجية ارتباط الأم بإبنتها.
وقد إتخذ المنطق الحديث ملامحه النهائية، في نهاية هذا القرن، وبداية القرن العشرين.
أبرز ملامح المنطق الحديث هي:
1- تنوع المنطق ومناهج البحث حسب اختلاف وتنوع العلوم، فهناك منطق قياسي يعتمد عليه علم الرياضيات، وهناك منطق إستقرائي تجريبي يعتمد عليه علماء الطبيعة، وأخيرا هناك منطق إجتماعي تعتمد عليه علوم الإنسان.
في كل فصيلة من العلم تختلف المناهج. فمثلا هناك منهج للطب والتشريح، ومنهج للجيولوجيين، وعلم طبقات الأرض ومنهج لعلوم الفضاء و.و..
وبالرغم من فوائد عديدة اكتسبها العلم من اختصاص المناهج، إذ منحه الاختصاص مزيدا من الدقة والتركيز.
بالرغم من ذلك، فإن الافراط في تجزئة المنطق، ومناهج البحث، أفقدها المرونة والعمق الضروريين لفهم الحياة وللبحث الا بداعي فيها1.
2- المنطق الحديث نسبي في اتجاهه العام، لا نسبية فلسفية تشك في إمكانية العلم بالأشياء، إنما نسبية علمية لا تؤمن الا بقدرما توصل إليه العلم بوجه خاص، وهذه النسبية تنعكس على المنطق، إذ المنطق لا يعدو أن يكون بحثا في البحث، أو دراسة لطرق العلم، واذا كان العلم يتطور من يوم لآخر، فإن طرق دراسته هي الأخرى تتطور من يوم لآخر.
لذلك فإن المنطق الحديث لا يبقى منفصلا عن العلم الحديث. بل ممتزجا معه، مرتبطا عضويا به.
من هنا كان من أوليات الأسلوب العلمي الحديث للكتابة، أن يذكر المؤلف منهجه في البحث في المقدمة، إذ أنه سيكون منهجا فريدا وخاصا، بالكتابة عن الموضوع ذاته.
3- المنطق الحديث نشأ ونما في جو مادي، لذلك فهو يكفر منذ البدء بالأفكار ما وراء المادية، ولا يضع منهجا لمعرفة تلك الحقائق، ولا يعترف بذلك المنهج الذي يوصل المرء إلى معرفتها، وحتى إثبات قيمة للمثل العليا، أو قيمة للحدس الناشئ من التجربة، يخضع حسب المنطق الحديث للطرق المادية.
إن المنطق الحديث، تبعا لكل الأفكار الحديثة والمتشبعة بالروح المادية، لا يضع منهجا لمعرفة التفسير الفلسفي لمبدأ الوجود وغايته، ومبدأ الإنسان ومصيره، ولذلك فهو لا يستطيع الوفاء بكل حاجات البشر، إذ إن الحياة الروحية، تشكل الجزء الأهم من حياة الإنسان، ولا يمكن أن توجه الروح، إن لم يوضع لها منهج واضح، لمعرفة مبدأ الكون وغايته ومبدأ الإنسان ومصيره. ذلك أن هذه المعرفة هي التي تعطي الإنسان نظرة موضوعية شاملة إلى نفسه والى الحياة من حوله، وبسبب هذه النظرة يتخبط الإنسان في تقييم ذاته، وتقييم الوجود من حوله، حتى لا يميز بين الصالح والضار، والخير والشر.
فالذي يريد أن يعرف حقائق الكون جميعا عن طريق التجربة العلمية، حسب المصطلح الحديث لهذه الكلمة، لا يمكن أن يعرف الجواب على السؤال التالي: ما هو الخير وما هو الشر؟ وكيف ينبغي ان أتصرف في الحياة؟ وكيف يتأثر سلوكي بالدعاية المضللة؟ ثم كيف أبصر بنفسي الحقائق دون أن أقع في شرك الدعاية؟ وهل علي أن أؤمن أصلا بالله سبحانه؟ أم كيف أستطيع أن أعرف ما إذا كانت هنالك حياة آخرة؟!
إن هذه الأسئلة، لا يمكن أن يجيب عليها المنطق المادي، الذي يحصر ذاته في إطار ما يمكن أن يرى تحت المجهر. وحيث أن الخير لا يمكن قياسه، وكذلك الشر، والقيم لا يمكن تجربتها، وكذلك الله واليوم الآخر فإن هذا المنطق بعيد عنها جميعا. من هنا نستطيع أن ننعت المنطق الحديث، وبكل أسف، بأنه (منطق ناقص).
4- المنطق الحديث، يجهل في أكثر بحوثه دور (الإنسان ككائن حر) في المعرفة، ولذلك فهو يتسم بالحتمية إتساما يكاد يكون عاما. فحين يبحث المنطق الحديث عن دور البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في تكوين ذهنية الإنسان، يبحث عنه تماما، كما يبحث عن دور الأوكسيجين في تنقية الدم. إنه دور محتوم.
ونتيجة هذا الإيمان المطلق بالعوامل الخارجية، وما يقابله من الكفر بقيمة الإرادة البشرية، تبقى طائفة كبيرة من الأخطاء دون علاج، إذ إنها آتية من إرادة الإنسان ذاتها، تلك الإرادة التي سقطت من حساب المنهج الحديث.
من هنا كان جواب المنطق الحديث عن السؤال حول الطريقة التي يتخلص بها الإنسان من عامل الاقتصاد في تكوين ذهنيته.. كان جوابا ناقصا، إذ كان يقول له يجب إصلاح الاقتصاد، حتى لا يوقع البشر في الخطأ. حقا ان هذه طريق إلا أنها غير ممكنة في بعض الظروف، فلو لم تكن الإرادة البشرية قادرة على التحصن ضد عامل الاقتصاد لكنا أفقدنا الإنسان القدرة على تحصيل الحقيقة، في مثل هذه الظروف.
بعد ذلك ينبغي التنبيه إلى أن المنطق الحديث، بما فيه قواعد المنهج الديكارتي وتوصيات بيكون، لا يغفل تماما دور الإرادة، بل قد يعلق عليها بعض الأهمية.
5- بما أن المنطق الحديث يتسم بالإنتقائية، فإنه لا يملك بناءا فلسفيا رصينا ومقنعا، ولذلك فهو يعجز عن إعطاء مبررات كافية لكثير من توصياته، بل ويعجزا أيضا عن إعطاء فلسفة كافية لها، ذلك أن هذه الفلسفة، لا تصح الا إذا آمن المنطقي، بوجهة نظر فلسفية شاملة، حول المعرفة، وعلم النفس. كما كانت لكل واحد من الفلاسفة، الذين أبدعوا أقسام المنطق، التي انتقي منها المنطق الحديث. إن المنطق الحديث، أشبه إلى طبق فيه فاكهة شتى، بينما أقسام المنطق قديما كانت كثمرة شجرة لم تقطف، ولذلك نجد أن المنطق الحديث، لا يعدم التناقض والتناحر، بين أنواعه كما يفتقر إلى الأصول التي تعطيه العمق والاستمرار، بينما المنطق القديم، كان أصيلا بما فيه الكفاية، إذ إنه كان ينبع من نظرات فلسفية وعلمية راسخة. وكما سبق: فإن المنطق يرتبط بمعرفة حقائق كثيرة، فيما بينها حقيقة النفس، وحقيقة العلم، وحقائق عن الإنسان (الفرد) والإنسان (الجماعة)، وتطور حياة البشر و.. و..
ولذلك كانت آراء الفلاسفة في المنطق متكاملة مع آرائهم في تلك الحقائق، فكان منطق كل واحد منهم متكاملا من ناحية بنائه الفكري.
إلا أن هذا التماسك زال عنه بخلط أقسام المنطق في المنطق الإنتقائي الحديث، فعاش كل قسم منه بعيدا عن جذوره الفلسفية، وهذه هي سمة عصرنا ككل، حيث يهتم بالفلسفة السطحية، ويترك البحوث العميقة، ويرتجل بنفي قيمتها في الحياة دون تفكير.
وكان نصيب المنطق وافرا من السطحية التي إتسم العصر بها.
ونشأ من كل ذلك فراغات هائلة في هيكل المنطق الحديث نشير إلى بعضها عندما نذكر المنطق الإسلامي.
المنطق الإسلامي
أصوله ومناهجه

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب