فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
هل للإسلام منطق؟
جاء الإسلام ببصيرة جديدة للإنسان، ليس فقط في السلوك والتشريع، والطقوس والعبادات، وإنما قبل كل ذلك في التفكر والمعرفة، وكشف حقائق الحياة، وواقع الأحياء والأموات..
قال الله تعالى:
(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب، ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور، وكتاب مبين* يهدي به الله من أتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه. ويهديهم إلى صراط مستقيم..) [المائدة/ 15-16]..
فواحد إلى عشرين جزء من القرآن هو في التشريع بما يدعى بـ(الأحكام) أما الأجزاء التسعة عشر الأخرى فهي في مناهج الفكر وفلسفة الحياة وبناء الشخصية.
وإذا لاحظنا القرآن وجدنا أن موضوع العلم والمعرفة وما يتصل بهما قد بحث في القرآن بقدر ما بحث موضوع الإيمان بالله!! أو أقل قليلا... والقرآن جاء برؤى جديدة للحياة فسرت ما يخفي من ظواهر أو أحداث غابرة، وبين كثيرا من السنن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية، وبالتالي جاء بفلسفة عامة للحياة... ولا يمكن أن تكون فلسفة من دون منطق. إذ المنطق هو المدخل إلى الفلسفة كما أن الفلسفة هي مدخل لفهم الحياة!
ولقد فجر الإسلام قدرات (مجموعة بشرية هائلة)، وأعطاهم إمكانات حضارية كبيرة، كانت الحضارة العربية الإسلامية بعض مظاهرها. والحضارة لا تقوم إلا على ثقافة، والثقافة لا تبنى إلا على أسس منطقية إذ لا يعقل أن ترتبط وتستند عناصر الثقافة إلى بعضها، من دون وجود طريق واحد للتفكير وأسلوب واحد للملاحظة.
إن وجود ثقافة متميزة لدى المسلمين، دليل بسيط على وجود منطق متميز لهم. ولكن، لماذا لم يعرف المسلمون هذا المنطق؟
الجواب: لأنهم كانوا يمارسون الثقافة، وفلسفتها، ومنطقها، ممارسة عفوية وغير منطقية، بل وغير واعية. إنهم يطبقون ما جاء في كتابهم العظيم (القرآن) دون أن يفكروا كثيرا إلى أي حقل في الحياة، يرتبط هذا التعليم أو ذاك، وربما مارسوا الزكاة طويلا، دون أن يعرفوها ركيزة اقتصادية، ومارسوا النقد البناء، دون أن يعرفوا أنه ركيزة منطقية. ويبقى سؤال آخر: لماذا لا يعرف المسلمون اليوم بوجود منطق متميز لهم؟
الجواب لأحد عاملين:
1- إما التعصب لمناهج فكرية تعودوا عليها كالمنهج الوضعي أو الديالكتيكي أو.. أو.. يعني المنطق الذي لا يتعدى المنطق المادي.
2- أو الجهل بلغة القرآن الكريم ـ المصدر الأساسي للفكر الإسلامي ـ وبالطبع يعتبر هذا العامل أخطر من العامل الأول. إن كلمات كثيرة تحورت معانيها منذ عهد الرسالة إلى الآن، مما ألقى عليها ظلالا من الغموض عند الفكر العاصر وأبعدها عن معانيها الحياتية، وكنموذج نبين الأمثلة التالية:
أ- كلمة (البصيرة) استخدمت في القرآن الحكيم (8 مرات) فماذا يفهم منها الرجل العصري؟ هل يفهم منها المعنى الرسالي الذي قصده القرآن وكان يفهمه الجيل الأول؟ هل يفهم منها معنى الرؤية الكاملة للحياة الذي يوازي معنى الفلسفة في عرفنا الراهن؟ ولأن العرف لا يفهم اليوم من كلمة (البصيرة) معنى الفلسفة فإن الشك يساوره في وجود فلسفة في القرآن، أو في تصريح القرآن في وجود مثل هذه الفلسفة فيه. يقول القرآن:
(هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) [الأعراف/ 203].
(بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) [القصص/ 43].
ب - كلمة (الذكر) وما يتصل بها من كلمات: (التذكر ـ ذكرى ـ تذكرة) وما أشبه، تكررت في القرآن أكثر من (320) مرة، فهل يفهم منها العرف الراهن ما يوازي نظرية المعرفة في الإسلام؟ وهل يفهم أن التركيز على هذه الكلمة يدل على أن الرؤية الإسلامية في معرفة الحقائق الفلسفية هي أن الإنسان عارف بها ـ بالفطرة ـ ولكنه غافل عنها أو محتجب بالهوى والنسيان عنها؟
إن (العرف) اليوم قد يستهزئ بالذي يدعي أن القرآن قد نوه بنظرية المعرفة (320) مرة.
ج- نحن لا نفهم عادة من هذه الآيات:
(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) [الزمر/ 17-18].
(ولا تقف ما ليس لك به علم، أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا..) [الإسراء/ 36].
(فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) [محمد/ 30].
.. أقول نحن لا نعرف من هذه الآيات، وآيات أخرى، إنها تبين وجهة نظر الإسلام في مناهج المعرفة ـ كما سيأتي الحديث عنه ـ ولماذا لا نفهم؟ إذ حاجز اللغة حاجز سميك يفصلنا عن فهم حقائق كثيرة في الإسلام، وفي كتابه العظيم القرآن.
ومن بين تلك الحقائق، وجود منطق خاص للإسلام..

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب