فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المسلمون والمنطق الإسلامي:
وجود منطق إسلامي لا يعني أن الأمة الإسلامية اتبعت هذا المنطق (دائما)، كما أن وجود نظام إسلامي لا يعني بالضرورة أن المسلمين طبقوه بالكامل.
من جهة أخرى لا يعني (المنطق الإسلامي)، كل منطق استخدمه المسلمون قديما أو حديثا، كما لا يعني (النظام الإسلامي) كل نظام طبقه المسلمون قديما أو حديثا.
إنما المسلمون، كأية أمة أخرى، استخدموا ألوانا من المنطق، كانت بين بعضها البعض تناقضا ظاهرا، كما كان بينها وبين المنطق الإسلامي هذا التناقض.
والواقع إن الأمة الإسلامية حصرت نفسها في البداية على المنطق الإسلامي، والفكر الإسلامي والنظام الإسلامي.
لكن مع توسع الدولة، وضعف العناصر الرسالية فيها، استوردت الأمة المنطق، والفكر، والنظام، من الخارج.
وحين ترجمت الكتب الفلسفية، في بداية القرن الثاني للهجرة، إنتقل المنطق الأرسطي عبرها إلى الفكر الإسلامي، فاحتضنه المسلمون دون انتقاء، وكانت النتيجة سيطرة هذا المنطق عليهم فترة طويلة من الوقت. وانتقاله عنهم إلى الغرب عن طريق الأندلس، وبقاء الغرب تلميذا عليه إلى القرن السادس عشر الميلادي، بيد أن المحافظين على التعاليم الإسلامية، لم يتأثرون بالمنطق الأرسطي. ونستطيع أن نستشهد على ذلك بما يلي:
أولا: ان أول من جدد الفكر الغربي في المنهج كان روجر بيكون، الذي كان متأثرا بالفكر الإسلامي. وهكذا نستطيع ان نجزم بأن طائفة من المسلمين رفضوا الاكتفاء بالمنطق الشكلي بل جاوزوه إلى المنطق التجريبي. إلا أنه سيكون مبالغة غير لطيفة لو قلنا انه كان لهم منطق تجريبي بمعنى الكلمة. بل لم تكن لديهم الا مجموعة غير متماسكة من التعاليم الدينية في البحث العلمي، مضافة إليها هداية فطرتهم، إلى عقم المنطق الشكلي عن العطاء في الحقول المختلفة.
ثانيا: ان كثيرا من العلوم الإسلامية لم تكن تنشأ لولا التمسك بهدي التعاليم الإسلامية في المنطق، البعيدة جدا عن المنطق الشكلي. فمن ذلك: علم أصول الفقه، والرجال، والحديث، والاستنباط. إن هذه العلوم تعتمد على منهج للبحث أشبه ما يكون لمنهج البحث الحديث، بل وفي بعض هذه العلوم بلغ علماء المسلمين مبلغا يفوق ما بلغته الأبحاث الحديثة.
وكان بإمكان المنطق الإسلامي أن يتبلور عبر مناهج واضحة ودقيقة ويفوق كل منطق آخر، إلا أن سبات الفكر الإسلامي في القرون الأخيرة، ذلك السبات الناشئ من سبات الأمة الإسلامية العميق في كافة الحقول الحضارية... هذا السبات منع من تبلور هذا المنطق ومع الأسف.
والآن، بدأ المسلمون استيراد ألوان من المنطق، ومناهج البحث من الغرب والشرق، كما يستوردون أي شيء آخر. مما أفقدهم شخصيتهم الحضارية حتى أنهم لم يعودوا يؤمنون بوجود منطق خاص بهم!

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب