فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
كيف يعرف العقل؟ هل يعقل ان يعرف العقل بغير العقل؟ نحن نعرف الأشياء جميعا بعقولنا، والتي لو لم تكن سليمة لما عرفنا شيئا. فهل هناك شيء فوق العقل نتعرف على العقل به؟ ان الإنسان ليذهب بعيدا في متاهات الضلال لو بحث عن شيء فوق العقل، ليفهم العقل به، إذ لا وجود لهذا الشيء، وفي حالة وجوده، يحتاج الإنسان إلى شيء آخر، فوقه أيضا ليعرفه به، فهل يعقل هذا؟ ثم هل من المعقول ان يكشف العقل لنا حقائق الأشياء، ثم لا يكشف عن ذاته؟ أوليس هذا يشبه القول بأن الشمس تضيء الدنيا، ولكنها غير مضاءة؟ إذا فكيف تعطي الضوء وهي لا تملكه؟ وان قلنا، كل شيء في العالم معروف بنور العقل ولكن العقل لا نور له، وإذا فهو غير معروف. أليس هذا تناقضا؟ ان أولئك الذين حاولوا التعرف على العقل بغير ذاته ضلوا عنه. إذ لم يجدوا فيما وراء شمس العقول، الا الظلام والضلال. بل ان مجرد محاولة التدليل على العقل نوع من التضليل الذاتي، اللهم إلا إذا حاولنا معرفة العقل، من خلال أنواره التي تسقط على الأشياء، فتضيئها، وتكشفها لنا، بالضبط كما نتعرف على الشمس من خلال النور المنبعث منها في الفضاء. وهذه المعرفة هي بدورها مرتبطة بالعقل، فمن لا عقل له لا يفهم من الحقيقة شيئا، ويكون أشبه شيء برجل يريد ان يبصر عينه، ليؤمن بوجودها، فيأخذ مرآة، وينظر من خلالها إلى عينه، فهل يعني هذا أنه رأى عينه بغير عينه؟ مثلا، رأى عينه بأنف أو بفم؟! كلا إنما رآها بعينه ذاتها ولكن من خلال المرآة. ولو افترضنا أن الرجل أغمض عينيه ليبصرهما بعضو آخر فيه، أفلا تكون النتيجة أنه يبقى يفتش عن عينه إلى الا بد؟ كذلك الذي يحاول ـ مستحيلا ـ ان يجد عقله بغير عقله، ويفتكر أنه يستغني عن عقله في رؤيته له. والعلم ليس سوى جانب الكشف في العقل، فالعقل يضيء الأشياء، والأشياء تضاء به و(لحظة الإضاءة) تسمى علم1. إذا ليست هناك ثنائية في الحقيقة ببين العقل والعلم، إنما هو نور واحد. إذا تحدثنا عن لحظة كشفه عن الأشياء سميناه علما، وإذا تحدثنا عنه كشيء موجود وثابت سميناه عقلا. إذا... لماذا الاختلاف في العقل؟ لماذا اختلف الناس في العلم والعقل؟ أو ليس هذا النور الذي يضيء الأشياء جميعا، يجب أن يكون مضاءا بذاته؟ وواضحا مميزا مشهورا لا ريب فيه؟ فلماذا الجهل به؟ ولماذا الاختلاف فيه؟ الجواب: أولا: هناك حقائق بسيطة واضحة يجهلها البشر ليس لشيء إنما لمزيد وضوحها... حتى الشمس التي تضرب بها الأمثال لو لم تأفل ولم يكن لها ظلال لاختلف الناس فيها. أولم يختلف البشر في أمر الوجود والقدرة، وهي الحقائق التي انتشرت آياتها في الآفاق؟ ثانيا: لأن العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، ولأننا معه كلما كنا واعين. ولأننا لا نستطيع أن نتصور أنفسنا بدونه، إذ كلما تصورنا أنفسنا تصورناها بالعقل، فإننا لا نبحث عنه، إنما نبحث عن شيء آخر وراءه، وهذا هو الذي يعقدنا. ذلك لأن القدرة على البحث في شيء، بحاجة إلى شرطين: ان يكون الشيء مجهولا، وان يعرف بالبحث. والعقل ليس مجهولا حتى يحتاج إلى دليل لأننا حين نبحث فيه فلا بد أن نتصوره شيئا مجهولا، وهذا في الواقع ليس عقلا إذ العقل لا يكون مجهولا. دعنا نبحث عن الماء، ونحن نسبح في البحر، إننا لا بد ـ آنئذ ـ أن نضل عنه، إذ طبيعة البحث تقتضي الجهل بالشيء... ولأن الماء ليس بمجهول، فلا بد ان نخلق شيئا مجهولا ونسميه بالماء ونبحث عنه.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|