فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
التنبيه سبيل العقل: إذا ارتاب شخص هل يملك عينا أم هو أعمى؟ فأمامك سبل عديدة لتعرفه بأنه بصير. أولا: ان تأمره بأن يغمض عينيه ويلاحظ هل تختلف حاله ولماذا؟ ثانيا: أن تذكره بأنه حين يرى الأشياء، فلا بد ان تكون رؤيته بوسيلة، والعين هي تلك الوسيلة. ثالثا: أن تضع في كفه مرآة صافية، وتدعه ينظر من خلالها إلى عينيه. هذه السبل لا تختلف عن بعضها في محتواها، الذي هو تنبيه الشخص إلى عينه وتذكيره بها. كذلك العقل، السبيل إليه هو التذكرة والتنبه بأن: 1-: نلاحظ أنفسنا في حالة افتقادنا له، هل نختلف عما إذا كنا واجديه؟ ففي حالة الغضب الشديد، والشهوة العارمة، في الطفولة والشيخوخة، في النوم والغفلة، هل تختلف حالنا في هذه الحالات عن الحالات السوية ولماذا؟ إن المزيد من التنبه الذاتي للفرق بين الحالات، يعطينا البصيرة بعقولنا، ويجعلها تكتشف ذاتها أكثر فأكثر. 2- الإلتفات إلى أن الأشياء لا تعرف بذاتها، إنما هي بحاجة إلى وسيلة تكشفها لنا وهذه الوسيلة هي العقول. إن كل معلومة من معلوماتنا، وكل فكرة من أفكارنا، آية من آيات العقل، وهدى يدلنا عليه، إذ إننا لم نجدها إلا بالعقل، بذلك النور الذي لم يكن فينا حين كنا صغارا، وحين نكون مخرفين من الكبر، وحين يذهب الغضب بحلومنا و.. و.. وبالتالي حين نجهل شيئا بأي سبب من الأسباب. إلا أن مجرد العلم بالأشياء لا يكفي لكي نعرف عقولنا، إذ إننا حين نعرف الأشياء لا نهتم بالوسيلة التي عرفتنا عليها، إنما تستقطب الأشياء كل إهتمامنا، كمثل الذي بصر الأشياء من حوله دون ان يتنبه إلى أن عينه هي التي كشفتها له، وانه بدونها لم يستطع ان يراها، إنما يجب ان نلتفت إلى أننا من دون نور العقل، لم يكن ممكنا لنا معرفة الأشياء، وهناك تصبح كل فكرة معلومة، وكل حقيقة مكشوفة، دليلا جديدا على عقولنا، ليس هذا فقط، وإنما أيضا إثارة للعقل من أجل كشف ذاته والتنبه بحقيقته حتى يتميز أكثر فأكثر من هواجس الذات، ونتائج الخيال. هكذا تكون المعارف وسيلة للحصول على المزيد منها ولكن بطريق غير مباشر، إذ المعارف تهدينا إلى العقل إذا لاحظناها على أساس أنه لم تكن معرفتنا بها ممكنة من دون العقل وبتركيز هذه الملاحظة ينفتح العقل، ويكتشف ذاته ويتميز عن الهواجس الغريبة. وبذلك يهتدي الإنسان إلى مزيد من المعارف. ومن هنا يتجه المنهج الإسلامي إلى العقل، ويسعى نحو ترسيخ فهمه، لكي يجعل منه نقطة انطلاق لفهم الحياة. وفيما يلي نثبت نصوصا إسلامية بذلك: 1- اعرفوا العقل وجنده، والجهل وجنده، تهتدوا. وإنما يدرك الحق بمعرفة العقل وجنده1. 2- كان ممن أعطي العقل من الخمسة والسبعين جندا الخير، وهو وزير العقل، وجعل ضده الشر، وهو وزير الجهل، والإيمان وضده الكفر، والتصديق وضده الجحود، والرجاء وضده القنوط، والعدل وضده الجور، والرضا وضده السخط، والشكر وضده الكفر...2 يبين النص جنود العقل وجنود الجهل لكي ينبه الإنسان إلى نور عقله تنبيها ذاتيا، يجعله يميز في داخله هدى العقل عن تخبط الجهل، والشهوات. 3- قال أبو عبد الله (ع): اعرفوا العقل وجنده، والجهل وجنده تهتدوا. ثم قال: وإنما يدرك الفوز بمعرفة العقل وجنوده، ومجانبة الجهل وجنوده1. 4- جاء شمعون بن لاوي بن يهوذا2 من حواري عيسى إلى النبي (ص) وسأله عن العقل: ما هو؟ وكيف هو؟ وما يتشعب منه؟ وما لا يتشعب؟ وصف لي طوائفه كلها. فقال رسول الله (ص): إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فإن لم تعقل حارت، فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل فقال له أقبل فأقبل، وقال له أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك، ولا أطوع منك، بك أبدأ وبك أعيد، لك الثواب، وعليك العقاب. فتشعب من العقل الحلم، ومن الحلم العلم، ومن العلم الرشد، ومن الرشد العفاف، ومن العفاف الصيانة، ومن الصيانة الحياء، ومن الحياء الرزانة، ومن الرزانة المداومة على الخير، ومن المداومة على الخير كراهية الشر، ومن كراهية الشر طاعة الناصح، فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير، ولكل واحدة من هذه العشرة الأصناف عشرة أنواع، فأما الحلم فمنه عنصر ركوب الجهل، وصحبة الأبرار، ورفع من الضعة، ورفع من الخساسة، وتشهي الخير، ويقرب صاحبه من معالي الدرجات، والعفو، والمهل، والمعاد، والمعروف، والصمت. فهذا ما يتشعب للعاقل بحلمه. وأما العلم فيتشعب منه الغنى وان كان فقيرا، والجود وإن كان بخيلا، والمهابة وان كان هينا، والسلامة وان كان سقيما، والقرب وإن كان قصيا، والحياء وان كان صلفا، والرفعة وان كان وضيعا، والشرف وإن كان رذلا، والحكمة والحظوة. فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه فطوبى لمن عقل وعلم. وأما الرشد فيتشعب منه السداد، والهدى، والبر، والتقوى، والمقالة، والقصد، والاقتصاد، والثواب، والكرم، والمعرفة بدين أمته. فهذا ما أصاب العاقل بالرشد، فطوبى لمن أقام به على منهاج الطريق. وأما العفاف فيتشعب منه الاستكانة، والحظ، والراحة، والتفقه، والخشوع، والتذكر، والتفكر، والجود، والسخاء. هذا ما يتشعب للعاقل بعفافه، رضي بأمته وقسمه. وأما الصيانة فيتشعب منها الصلاح، والتواضع، والورع، والإنابة، والفهم، والأدب، والإحسان، والتحبب، واجتناب الشر. فهذا ما أصاب العاقل بالصيانة، فطوبى لمن أكرمه مولاه بالصيانة. وأما الحياء فيتشعب منه اللين، والرأفة، والمراقبة معه في السر والعلانية، والسلامة، واجتناب الشر، والشماتة، والسماحة، والظفر، وحسن الثناء على المرء في الناس. فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته. وأما الرزانة فيتشعب منها اللطف، والحزم، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وصدق اللسان، وتحصين الفرج، واستصلاح المال، والاستعداد للعدو، والنهي عن المنكر، وترك السفه. فهذا ما أصاب العاقل بالرزانة، فطوبى لمن وقر ولمن لم تكن له خفة ولا جاهلية وعفى وصفح. وأما المداومة على الخير فيتشعب منها ترك الفواحش، والبعد عن الطيش والتحرج، واليقين، وحب النجاح، وطاعة الرحمن، وتعظيم البرهان واجتناب الشيطان، والإجابة للعدل، وقول الحق. وهذا ما أصاب العاقل بمداومة الخير، فطوبى لمن أصابه، وذكر قيامه واعتبر بالفناء. وأما كراهية الشر، فيتشعب منه الوقار، والصبر، والنصر، والاستقامة على المنهاج، والمداومة على الرشاد، والإيمان بالله، والتعرف، والإخلاص، وترك ما لا يعنيه، والمحافظة على ما ينفعه. فهذا ما أصاب العاقل بالكراهية للشر، فطوبى لمن أقام الحق لله وتمسك بعرى سبيل الله. وأما طاعة الناصح فيتشعب منه الزيادة في العمل، وكمال اللب، ومحمدة العواقب، والنجاح من اللوم، والمودة والانشراح، والانصاف، والتقدم في الأمور، والقوة على طاعة الله. فطوبى لمن سلم من مصارع الهوى. فهذه الخصال كلها تتشعب من العقل1.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|