فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الثقة مفتاح العقل
الناس سواسية في العقل، فتلك نعمة أسبغها الله على البشر جميعا، إنما يختلف الناس في مدى استثمارهم لها، ولكن لماذا يستثمر البعض عقولهم ويتركها آخرون؟ هناك عوامل عديدة تنبع من عامل واحد أساسي هو (الشعور بالضعف). إذ ان هذا الشعور يفقد صاحبه الإيمان بذاته، بقدراته، بإمكانية مقاومته الضغوط من حوله. وحين يفقد الإنسان إيمانه بنفسه، لا يبقى منه إلا قشرة خاوية، إذ ما قيمة قدرة لا يعترف صاحبها بوجودها.
مثلا، ما قيمة ثروة يمتلكها شخص دون أن يعرف أنها له؟ وما قيمة سلطة لا يعترف صاحبها بها؟ إن البشر مزود بنور العقل، بالقدرة على كشف الحقائق، بإمكانية النفاذ إلى خبايا الحياة، ولكنه لا ينتفع بها من دون إيمان بوجودها.
لذلك ترى أن من تأخذهم هيبة البحث عن حقيقة معينة لا يستطيعون كشفها، إذ إنهم حكموا على أنفسهم ـ سلفا ـ بالعجز والفشل، والذين تمتلكهم هيبة العلماء السابقين عليهم، يستحيل عليهم فهم أي شيء جديد، إذ إنهم لا يؤمنون بأي اكتشاف ذاتي يتوصلون إليه.
والأجيال التي تعبد جيلا سابقا، وتعتقد أنه وصل إلى قمة العقل والمعرفة، تبقى ـ هذه الأجيال ـ في أوحال الجهل لأنها تفقد الثقة بقدرتها على فهم أي شيء لم يفهمه ذلك الجيل السابق1.
ولا تكفي الثقة بالعقل، بل يجب أن يثق الإنسان بكامل قدراته ليستطيع استثمار عقله ذلك لأن ضغوط الحياة المادية تفقد الإنسان استقلاله في التفكير والسلوك، تفقده حريته في القرار.
السلطة الطاغية التي تستعبد الناس بقوة الحديد والنار، وتختار لهم سلوكا معينا تفرضه عليهم، هذه السلطة تفقد الإنسان شعوره بالاستقلال والحرية وتجعله لا يفكر إلا في اختيار ما يرضي تلك السلطة.
والمجتمع المحافظ الذي يرمي المخالفين له بأنواع التهم وينبذهم عن نفسه، هو الآخر يفرض على البشر نوعا خاصا من التفكير، والسلوك ويفقده حرية القرار، وبالتالي حرية التفكير والمعرفة.
كذلك النظام الاقتصادي الذي يسوق الناس إلى سبل معينة، ولا يسمح لهم بتجاوزها، أمام ضغوط هذه الأغلال يتوقف الفكر ولا يستثمر العقل.
ولكن، هل تفقد هذه الضغوط حرية الإنسان حقيقة؟ هل تجعله لا يقدر أبدا على تغيير وضعه؟ هل تسلبه إمكانية التمرد والثورة والتضحية والإصلاح؟ كلا إذ ان الله أكرم عباده بالحرية، وأعطاهم القدرة الكافية للدفاع عنها.. فالشعب المضطهد يستطيع تحطيم عرش السلطة الطاغية، والجيل التقدمي قادر على التمرد ضد جيل التخلف، والمجتمع يتمكن من تغيير النظام الذي لا يناسبه، وتطورات التاريخ شواهد على هذه الحقيقة.
أقول الإنسان قادر على المحافظة على حريته شريطة أمر واحد، هو الإيمان بذاته، الإيمان بأنه قادر على التمرد، والثورة والتضحية والإصلاح، وله من الإمكانيات ما تحقق ذلك، إذ القضية ليست قضية وجود إمكانيات، ان طاقات الإنسان لا تحد ولا تنتهي انما هي قضية الإيمان بهذه الطاقات والثقة بها، كما أن القضية ليست في تطلع الإنسان إلى تحقيق الحرية والإستقلال، إذ إن هذا التطلع هو أسمى فطرة ركزها الله في طبيعة البشر، لا تحد ولا تنتهي ولو بلغ الإنسان الثريا لـ(تطلع) إلى نجمة أرفع.. ولو أوتي ملك الدنيا لـ(تطلع) إلى ملك الآخرة.. ولو وهب خزائن الأرض لأمسك خشية الانفاق، وحبا في المزيد، وليس من بشر يتنازل عن حريته طوعا، ولكن يكره إكراها يسلبه إيمانه بذاته، وثقته بقدرته على ممارسة حريته. فالقضية ـ إذا ـ قضية ثقة، ومن هنا كان الطغاة يسعون أبدا إلى إشعار ضحاياهم ـ من الشعوب ـ أنهم لا يقدرون على مقاومتهم، إذ بمجرد هذا الشعور، يستسلم الإنسان لواقعه الفاسد، فكرا وسلوكا.
ومفتاح الأمر آنئذ (في الثقة) إذ انها تدفع الإنسان إلى تفجير طاقاته، واستغلالها في مقاومة ضغوط الطغاة.
وإذا تخلص الإنسان من خشية الطغاة، استعاد حريته، وإستثمر عقله، وملك حياته وستقلاله.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب