فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الإنتماء:
ويأتي بعد التجمع، دور الجماعة (الإنتماء) وهو أكثر عقلانية من التجمع، وأقل تأثيرا منه. وقد أظهرت الدراسات ان الجماعة أكثر تأثيرا على الفرد من المجتمع.
والجماعة تختلف عن التجمع في أنها بعيدة عن تلك الإثارة الكبيرة، التي نجدها في التجمع. فأغلب التجمعات تملك في طياتها، دفوعات ضخمة من الطاقات الكامنة، التي تظهر بالتجمع، بينما الجماعة ليست كذلك رغم وجود دوافع بشرية خلالها. والجماعة تبدأ من جماعة العمل (وهم طائفة يجمعهم العمل المشترك في وقت محدد) وتنتهي بجماعة الإنتماء السياسي، وبين ذلك جماعات كثيرة، ونحن نختار جماعة العمل كعينة للدراسة لسبب أنها أقرب إلى التحديد، وأبعد عن المؤثرات الخارجية.
ثم إننا إذا عرفنا أثر جماعة العمل على بعضهم فسوف نعرف ـ بطريقة الأولوية ـ أثر سائر الجماعات، الذين هم أكثر التصاقا ببعضهم.
وربما نجد في الدراسات التالية، ليس فقط مدى تأثير الجماعة على الفرد، بل وأيضا، سبب هذا التأثير.
وسوف نصل إلى نتيجتين:
الأولى: أن ليس هناك إلا حسا واحدا لا أكثر ندعوه بحس (التوافق الإجتماعي)، ولهذا الحس جانب إيجابي، هو التنافس والمحاكاة، وجانب سلبي هو الحياء.
الثانية: أن الإنسان ـ وهو مدفوع بإحساسه الاجتماعي ـ يفقد قوة بعض قدراته العقلية.
وقد تكون النتيجتان واحدة، بسبب ان الإنسان لا يملك الا قلبا واحدا، إذا استوى عليه شعور، ينحسر عنه شعور آخر، وهكذا إذا سيطر عليه الشعور بالتوافق الاجتماعي يفقد بعض قدراته النقدية. إن نتائج دراسة أولبورث تدل على انه في حالة العمل مع جماعة يزيد الإنتاج إذا كان النشاط من النوع الحركي، ويقل إذا كان من النوع العقلي1.
وسرعة العمل مع الجماعة، إنما هي بدافع التوافق الاجتماعي، حيث يجد الفرد أن أصدقاءه يسرعون، أولا أقل يخشى أن يكونوا قد أسرعوا فهو كذلك يسرع، لذلك إذا كان المعيار العام البطيء عاد السريع إليه، بدل ان يعود الجميع إلى السرعة.
فقد أظهرت دراست مود المبكرة ان هناك محاولة للوصول إلى مستوى الجماعة، وفي بحوث (لورنز) حول عمال مصانع يعملون على نضد، ظهر ان أسرع العمال أخذ يبطئ ولكن ليس إلى الحد الذي أسرع به أبطأ العمال (بل إلى حد متوسط) كما تبين نقص اتقان جماعة جيدة وضعت لتعمل بين جماعتين من مستوى ضعيف.
من هنا نكتشف ان الدافع نحو محاكاة الجماعة، ليس بالضرورة ما نسميه بالتنافس، رغم أنه دافع قوي، بل ما هو أعم منه، وأشمل الا وهو حس (التوافق) الذي هو البحث للشعور بالتنافس، أو ان التنافس لا يبطئ السريع بل الخوف من الإنفراد، والسعي نحو التوافق، هو الذي يبطئه، وقد ينسحب الفرد من مذهب (الحق) تحت ضغط الشعور بالتوافق الاجتماعي. فقد استفتى باحث حول موضوع فذهب بعضهم إلى الحق، وبعضهم إلى الباطل، ثم تآمر على واحد منهم فتبانوا على ان يذهب كل أفراد المجموعة، إلى تبني الباطل، عند صاحب الرأي الصحيح وهكذا تراجع هو الآخر عن رأيه تحت ضغط آراء الآخرين المصطنعة!
وفي تجربة الباحث آس آش (S, Asch)، نجد شخصا زعم ان جماعته يريدون اتباع منهج كان يزعمه منهجا خاطئا، وظهرت عليه آثار التردد، وكان يتحول عن رأيه خضوعا لرأي جماعته، بالرغم من أنه كان يعلم بخطئهم ولعل تغيير البيئة الاجتماعية ذا دلالة قوية على السبب في التأثر بها، فلقد ثبت بالتجربة أن عضوية جماعة تملي على الفرد مواقف تبدو راسخة جدا في نفسية الفرد، ولكن سرعان ما تتحول تلك المواقف إلى ما عاكسها، وتكون بذات الشدة، إذا تحول الفرد إلى عضوية جماعة آخرين. مما يدل على أن طبيعة الإنتماء تملي المواقف دون التفكير في تلك المواقف ذاتها.
وإذا عدنا إلى التجارب العملية، نجد أنه قد يكون مجرد حس التوافق الإجتماعي، سببا في تبني موقف خاص مما يدل على أنه شعور راسخ وأصيل.
فقد جرب د.شريف أثر الجماعة في غرفة مظلمة، في طرفها نقطة ضوء مركزة وثابتة ولكن العين تراها، عادة، متحركة يمنة ويسرة.
جاء شريف بطائفة من الناس منفردين، وأمرهم بتحديد إتجاه تحرك الضوء، فكانوا يزعمون أن للضوء اتجاهات مختلفة وحينما جمعهم، أخذوا يزعمون جميعا، بأن الضوء يتحرك ذات اليمين مثلا، وبما ان الضوء كان ثابتا في الأساس فإنما دل زعمهم على مدى تأثرهم ببعضهم.
إن جميع هذه التجارب تتفق في نطقة واحدة هي أن للإنسان شعورا أصيلا بضرورة التوافق مع الآخرين، في فكره وفي عمله.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب