فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
8 ـ معرفة الرسول
[..اَللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ عبدِك،ورَسولِك، وَاَمينِك، وصفيَّك، وحَبيبك، وخِيرَتك من خلقك، وحافِظِ سِرَّك، وَمُبَّلِغِ رِسالاتِكَ، اَفضَلأ واَحسَن واَجَمل واَكَمل واَزكى واَنمى واَطيبَ واَطهَرَ واَسْنَى واَكَثْرَ ما صَلَيْتَ وباركْتَ وتَرحَّمْتَ وتَحَنَّنْتَ وسَلَّمْتَ على احدٍ من عبادِك وانبيائِك ورُسُلِك وصِفْوتكَ، واَهلِ الكرامةِ عليكَ مِنْ خَلقِكَ..]
كانت الفقرات السابقة من دعاء الافتتاح تركز ـ في الغالب ـ على المفردة الاولى من مفردات الدعاء، وهو: ذكر الله سبحانه وتعالى، والتذلل له في مقام العبودية، اما الفقرات التالية فانها تدعو إلى ترسيخ العقائد الاسلامية، ومن ابرز هذه العقائد بعد ذكر الله وبعد الايمان به ومعرفته، هو معرفة الرسول (ص) ومعرفة الائمة الهداة من آل بيته (ع)، وبالطبع لا تكفي هنا المعرفة الفوقية التي نسميها بالاسلام، بل لابد ان تتحول هذه المعرفة إلى معرفة راسخة في قلب الانسان، تنعكس على اعماله وتصرفاته، وبالذات فيما يخص اولياء الله من الانبياء والصديقين والصالحين، اذ يجب ان تتحول المعرفة إلى حب، والى نوع من الانسجام النفسي يجعل الانسان يتبعهم دون صعوبة، يقول الدعاء:
[..اللهم صَلِّ على محمدٍ عبدِك،ورَسولِك، وَاَمينِك، وصفيَّك، وحَبيبك، وخِيرَتك من خلقك، وحافِظِ سِرَّك، وَمُبَّلِغِ رِسالاتِكَ، اَفضَلأ واَحسَن واَجَمل واَكَمل واَزكى واَنمى واَطيبَ واَطهَرَ واَسْنَى واَكَثْرَ ما صَلَيْتَ وباركْتَ وتَرحَّمْتَ وتَحَنَّنْتَ وسَلَّمْتَ على احدٍ من عبادِك وانبيائِك ورُسُلِك وصِفْوتكَ، واَهلِ الكرامةِ عليكَ من خلقك..]
تحتوي هذه الفقرة على عدة مفردات ابرزها الصلاة على النبي، ثم الصلاة من طرف خفي على الصديقين والانبياء والصالحين والسابقين على النبي، ومن ثم تحديد صفات النبي (ص). والان لنتأمل في كل فقرة من الفقرات، وفي البدء نسأل: ماذا تعني الصلاة على النبي؟ ولماذا نحن معنيون بهذه الصلاة ونؤكدهاونقدمها بين يدي دعواتنا إلى الله سبحانه وتعالى. لماذا؟
ان فلسفة الصلاة على النبي تتحدد من خلال النقاط الثلاث التالية:
النقطة الاولى: تحديد العلاقة بيننا وبين الرسول، وهي علاقة الحب والعطاء، لقد بذل الرسول (ص) مجهوداً ضخماً لتبليغ الرسالة الاسلامية، وتحمل المسؤوليات الجسام في هذا السبيل، وقد هدانا الله بسببه، فما هو عطاؤنا للرسول؟
نحن لا نملك شيئاً نعطيه لرسول الله (ص)، وهو الاخر لا يطلب منا اجراً، ان نهاية الاعتراف بالشكر للرسول (ص) تكمن في الصلاة عليه، في ان ندعو الله ليجزيه خير الجزاء.
إن شكرنا لخدمات رسول الله وجهوده ومساعيه (ص) من اجل انقاذنا وانقاذ البشرية من ظلمات الجهل والجهالة والشرك، هو ان ندعو الله بان يجزيه اجراً حسناً.
النقطة الثانية: تحديد العلاقة بين الله والرسول (ص) وهي الاخرى علاقة العطاء، فليس رسول الله ابناً لله سبحانه وتعالى، ولا هو غني عن رب العالمين، بل العكس تماماً، انه عبد ومحتاج إلى الله، وهذه العلاقة هي العلاقة بين رسول الله وبين رب العالمين، لذلك فاننا نطلب من الله ان يعطي للرسول، وهذا لا يكون إلا بسبب حاجة الرسول إلى رحمة الله سبحانه وفضله وعطائه.
النقطة الثالثة: كما سبق وان قلنا اذا دعا الانسان بلسان غيره فسوف يُستجاب دعاؤه، فدعاؤك لي مستجاب، ودعائي لك مستجاب ايضاً، وبما اننا قد اذنبنا، فاننا لا نملك وجوهاً كريمة امام الله، وان ذنوباً تحول بيننا وبين الله، لذلك فاننا ندعو لرسول الله ونصلي عليه، وهو (ص) يدعو لنا، ودعاء الرسول شفاعته:
* ولو انهم اذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً*
(64/النساء)
لو ان الرسول يدعو لنا ويشفع لنا فان دعاءه مستجاب، وهذا لا يعني ان دعاء الرسول أو استغفاره لقومه يحتم على الله شيئاً، ولكن يعني ان وجه الرسول كريم عند الله ونحن نقدم هذا الوجه بين يدي حاجاتنا ونتوسل إلى ربنا فيستجيب الله سبحانه.
أما المفردة الاخرى في هذه الفقرة من الدعاء، فهي بيان مواصفات الرسول (ص) وابرزها ما يلي:
(إنه عبد الله) اننا نقول عادة اشهد ان محمداً عبده ورسوله، وهذا يعني اننا نقدم صفة العبودية على صفة الرسالة، والسبب في ذلك هو اننا نريد أن ننفي عن انفسنا غبار الشرك، لان الانسان حينما يعظم احداً في نفسه، يقع فريسة لوساوس الشيطان التي تدعوه إلى اشراكه في عبادة الله، لذلك فاننا نؤكد على ان رسول الله (ص) بالرغم من عظمته وشرف مقامه، إلا انه بالتالي عبد الله سبحانه وتعالى، وهذا امر ضروري للغاية، لان كثيراً من الناس حينما يحبون احداً، يدفعهم حبهم لكي يرفعون المحبوب إلى مستوى الالوهية وهذا خطير جداً، اذ ان رفع الاولياء أو الانبياء والصالحين إلى مستوى الالوهية يضع حجاباً بين الانسان وبين الاقتداء بسيرة صاحب الشأن.
(ورسولك وامينك)، انه حمل رسالة الله الينا، وكان اميناً في رسالته لم يغير ولم يبدل، ان ايمانناً بامانة رسول الهل يجعلنا نعتقد بان أي مخالفة صغيرة أو كبيرة لرسول الله تعني مخالفة لله سبحانه وتعالى:
*وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا*
(7/الحشر)
(وصفيك)، ان الله تعالى اصطفى الرسول من بين خلقه، أي انه لو كان في عصر الرسول من هو اكثر جدارة بحمل الرسالة لكان الله يجعل رسالته في ذلك الانسان، اذن اختيار الله للرسول انما كان بسبب انه كامل الشخصية، وليس عبثاً ومن دون حكمة.
(وحبيبك) والرسول هو حبيب الله، يحبه الله وهو يحب الله، ونحن نحب الرسول، وفي مهرجان الحب يشترك الجميع، فيرتفعون إلى مستوى التفاعل والانسجام.
(وخيرتك من خلقك) أي الذي اخترته من خلقك وهذا المعنى قريب من معنى (صفيك).
(وحافظ سرك)، فلله تعالى سر مستودع عند رسوله، وهذا السر ينتقل عبر اولياء الله، اذن، هنالك اشياء لم نعلمها، وهي مفهومة للقيادة المعصومة.
ان عقولنا مهما سمت فهي لا تصل إلى مستوى عقول القيادة.
(ومبلغ رسالاتك)، تبليغ الرسالة ليس عملاً سهلاً لان تبليغ الرسالة يعني ان الانسان يتجرد عن كل شيء:
* يا أيها الرسول بلغْ ما اُنزل اليك من ربك وانْ لم تفعلْ فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس*
(76/المائدة)
أما المفردة الثالثة وهي طبيعة الصلاة، فالدعاء يصف الصلاة على النبي بـ (أفضل واحسن واجمل واكمل وازكى وانمى واطيب واطهر واسنى...)
فماذا تعني هذه الكلمات؟
الجواب: ان الصلاة تعني رحمة الله سبحانه وتعالى لعباده، وهي ليست بشكل واحد ولا بدرجة واحدة، ولا تأتي في ظرف واحد، وان رحمة الله مختلفة درجاتٍ واوقاتٍ وألواناً، ونحن نطلب لرسول الله أفضلها واحسنها واجملها، واكملها وازكاها.. والتعابير هذه تدل على نوع الرحمةالتي تطلبها لرسول الله (ص).
ثم ان الصلاة على النبي (ص) لا تعني منع الصلاة على عباد الله الصالحين. ان رحمة الله واسعة تشمل الرسول وغير الرسول، لذلك يقول الدعاء: (.. وأكثر ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على احد من عبادك وانبيائك ورسلك وصفوتك واهل الكرامة عليك من خلقك)، هذه الصلاة هي من طرف خفي، وبصورة غير مباشرة لانبياء الله والصالحين من عباده وصفوته واهل الكرامة عليه.
وهنا يجب ان نشير إلى اننا ـ بالرغم من صلاتنا على الرسول ـ إلا اننا مقصرون بازائه، ذلك لان المطلوب منا هو ان نعرف سيرته وآدابه، واخلاقه الحسنة، ثم نقتدي به عملياً في حياتنا اليومية، إلا اننا نرى الاكثرية الساحقة من المسلمين لا يعرفون سيرة الرسول، ولا يقرأون كتاباً واحداً حول الرسول طيلة حياتهم، فكيف يواجهون غداً رسول الله (ص)؟
ان من ابسط حقوق الرسول علينا هو ان نقرأ سيرته ونتعمق في حياته ثم نطبق كل ذلك في سلوكنا بشكل كامل.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب