فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
9 ـ معرفة الوصي
بسم الله الرحمن الرحيم
[.. اَللَّهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَلِيٍّ اَميرِ اْلمُؤْمِنينِ، وَوَصيِ رسولِ ربِ العالمين، عَبْدِكَ وَوَليكَ، واَخي رسولِك، وَحُجَّتِكَ على خلقِك، وآيَتِك الكُبرى، والنَبَأِ اْلعظيمِ..]
بعد الصلاة على الرسول، ينتقل الدعاء للصلاة على وصيه وخليفته من بعده وهو الامام علي ابن ابي طالب..
ان في صلاتنا ودعائنا للامام علي نفس الفوائد ونفس المفردات التي ذكرناها في الصلاة على النبي محمد (ص)، ونحن ايضاً لا نستطيع ان نقدم للامام علي (ع) الذي غيَر مسار التاريخ والذي اعطانا نموذجاً للحكومة الإسلامية، والذي لم يدعْ طاقة ولا قوة يمتلكها إلا بذلها في سبيل الله، نحن لا نملك ان نقدم له شكراً أو اجراً وانما فقط نستطيع ان نصلي عليه وندعو الله لكي يؤتيه اجره، ويرضيه عنا بما شاء سبحانه وتعالى (اللهم وصل على علي امير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين عبدك ووليك واخي رسولك)، كما في الرسول كذلك في الامام، يجب ان لا يدفعنا تعظيمنا له وحبنا اياه، إلى تأليهه، والغلو فيه، فهو عبد الله وولي من اوليائك الصالحين، واخو رسول الله، وحجة الله على خلقه:
[وحجتك على خلقك وآيتك الكبرى]
في هذه الفقرات تستوقفنا كلمة (وآيتك الكبرى)، فكيف يكون الإمام علي عليه الصلاة والسلام الآية الكبرى لرب العالمين؟
قبل ان نجيب عن هذا السؤال لابد ان نشير إلى حقيقة ان كل شيء في الكون هو آية لله سبحانه وتعالى:
[وفي كـل شيء لـه آية تـدلّ على انـه واحـد]
وتتفاضل آيات الله سبحانه وتعالى، ليس بالنسبة إلى الله، لان الله عزوجل يخلق الكون من دون ان يتعب أو يمسه لغوب، انما اذا اراد شيئاً يقول له: (كن) فيكون، وخلقه لملايين المجرات لا يختلف عن خلقه للبعوضة الصغيرة، وانما تختلف الايات بالتفاضل فيما بينها، وبما اعطاها الله سبحانه وتعالى من قدرات. ومن آيات الله التي نعرفها وهي قريبة منا الملائكة الذين يعتبرون من أعظم آيات الله سبحانه وتعالى، لان ملائكة الله هم الموكلون بالكون، فيهم حملة عرش الله وملائكة السماء وملائكة الارض والبحار، والرياح، والجبال، وكل هذه تستجيب لامر الله عبر ملائكته الموكلين بها، واذا عدنا إلى سورة البقرة نجد ان الله سبحانه وتعالى امر جميع ملائكته بالسجود لآدم ابي البشر!
لماذا؟ لان آدم هو خليفة الله، وهو مستودع روح الله سبحانه:
*فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين*
(29/الحجر)
ذلك الروح الذي يقول عنه ربنا في آية أخرى:
* ويسألونك عن الروح قلْ الروح من امرِ ربي وما أوتيتُم من العلم إلا قليلاً*
(85/الأسراء)
ويقول سبحانه وتعالى عنه ايضاً:
* ليلة القدر خير من الف شهر* تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل آمر* سلام هي حتى مطلع الفجر*
(3 ـ 5/القدر)
ان هذا الروح الذي نفخ الله منه في آدم هو من أهم خلق الله، يؤيد به الله عباده المكرمين، لذلك امر الله كل ملائكته فيما بينهم حملة عرشه، والكروبيين، وملائكة السموات والارض، وملائكة المجرات المختلفة كلها، ان يسجدوا لآدم.. لماذا؟ لان آدم فيه الروح! اذن، فان آدم الذي استوعب الروح ونفخ الله فيه من روحه اصبح افضل كل الخلق.
واذا كان افضل الخلق، فهو آية كبرى بالنسبة إلى الآيات الأخرى! فالسماء والارض والجبال والمجرات كلها آيات الله، ولكن آدم آية كبرى، لان السماء والارض والجبال والبحار والانهار وكل المخلوقات الأخرى مستجيبة للملائكة، والملائكة بدورها سجدت لآدم عليه الصلاة والسلام، واذا عرفنا بأن خاتم النبيين سيدنا ونبينا محمداً (ص)، هو أشرف وأعظم من كل الانبياء، بل انه مكمل رسالاتهم، لانه خاتمهم. لو عرفنا ذلك فلابد ان نعرف ان وصي خاتم النبيين، والذي هو صنوه ونفسه، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى في آية المباهلة:
* وانفسنا وانفسكم*
(61/آل عمران)
وقد ورد في اكثر تفاسير المسلمين، ان المراد (بانفسنا)، هنا هو الإمام علي عليه الصلاة والسلام، فلابد ان نعرف بان علياً هو افضل من آدم.
اذن اذا كانت السموات مستجيبة للملائكة، والملائكة ساجدة لآدم، وعلي أفضل من آدم عليه الصلاة والسلام، فما هي الآية الكبرى لرب العالمين؟ هل السموات؟ أم الملائكة؟ أم ذلك الذي تسجد الملائكة له ولامثاله، أم انه علي ابن ابي طالب، خليفة رسول الله خاتم الانبياء؟
وهنا لابد ان نطرح هذا السؤال: لماذا يفضل الله بني آدم على الملائكة، بل على المخلوقات كلها؟
الجواب: لان الله حمّل علمه لبني آدم، وحمّل بني آدم شيئاً قد يكون اهم من العلم وهو الحرية والارادة، وجعل المشيئة في قلب بني آدم!
أما الملائكة فقد جعل الله لهم الروح وأعطاهم الايمان، والعلم والفضيلة إلا انه لم يعطهم الشهوات!، فالملائكة يعبدون الله دون ان يأخذهم الأرق والنوم والتعب، وعبادتهم لله هي من سجيتهم، أما الحيوانات فالأمر بالنسبة لها اوضح، لان الله لم يعطها العقل ولا العلم ولا الارادة بل هي كتلة من الغرائز والشهوات، فالحيوانات ليست مفضلة على بني آدم، اما الإنسان، فقد اعطاه الله العلم والعقل والارادة، ثم ركب عليه الشهوات، فاذا اتبع هذا الإنسان عقله وعبد الله سبحانه وتعالى، واختار بحريته الكاملة هذا الطريق، كان قريباً إلى الله ومكرماً عنده، لانه كان مخيراً بين ان يهبط وبين ان يرتفع، ولكنه اختار الارتفاع بفعله! فعظمة الإنسان تنبع من انه هو الذي يريد، هو الذي يقرر، اما الملائكة فهي لا تقرر، باعتبارها هي مخلوقة في هذا الاتجاه، تريد ولكن ليس بصعوبة، وعلي ابن ابي طالب يجسد القمة في هذا الارتفاع والسمو بعد رسول الله (ص).
إن علياً يحمل جسمه المبارك في غزوة (اُحد) سبعين جراحاً تحتاج إلى العلاج ولكنه، وقبل ان يستريح من عناء القتال والجروح، يأتيه منادي رسول الله (ص) يدعوه إلى الحرب من جديد فيتحمل كل ذلك الاذى والجراح ويتوجه من جديد إلى ساحة الحرب. كان بامكانه أن يأكل مصفى العسل ولباب القمح، وان يلبس افضل الملابس وهو امير المؤمنين والله لم يحرم عليه ذلك ولكنه لم يفعل. كان يقسم الاموال بين الناس بالسوية وكان بامكانه ان لا يفعل ذلك.
كان بامكانه ان ينام الليل ولكنه في الليلة الواحدة كان يصلي الف ركعة.
كان علي يُغشى عليه في الليل من كثرة الصلاة وعبادة الله، وفي النهار تراه على باب اليتامى والمساكين، وكان لا يترك عبادة إلا واتى بها.
يذكر لنا التاريخ إنّ الامامَ علياً كان يأتي إلى المسجد قبيل الفجر فيصلي بالناس الصبح ثم يعقب إلى ان تطلع الشمس وتنتشر، ثم ينتقل من محرابه إلى مكان آخر من المسجد يقضي بين الناس، ويحل مشاكلهم، ثم كان يتركهم ويتحرك في اسواق الكوفة، ينادي في الناس: اتقوا الله، التاجر فاسق حتى يتفقه، عليكم بالفقه ثم التجارة، ثم يتمشى في أزقة الكوفة لعله يجد ذا حاجة لم يجد إلى المسجد سبيلاً، لعله يجد فقيراً، أو مسكيناً فيساعده، أو لعله يجد فساداً فيصلحه. وبعد صلاة الظهرين يأتي إلى بيته ويسأل زوجته: هل عندكم شيء أم أفوت؟ فاذا وجد شيئاً تغدى به، وان لم يكن هناك شيء يقضي ذلك النهار جائعاً، وعندما يصير الليل يصلي صلاة المغرب والعشاء جماعة بالناس ثم يعود إلى العبادة إلى الصباح، فمتى تكون الراحة ومتى يكون النوم؟
والآن، ألا يُعتبَر هذا الانسان المثالي آية كبرى من آيات الله؟ إلا إنَ علياً هو تلميذ تربى في حجر الرسول (ص) وهو يقول انني عبد من عبيد محمد، اذن فكل حياة علي هي دليل صادق على حقانية الرسالة الإسلامية، ولذلك كان (النبأ العظيم).
ثم كما كان علي آية كبرى في الجهاد، والصبر، والعبادة، والزهد، كذلك هي الزهراء فاطمة بنت محمد، التي تلقت اصول الرسالة في بيت أبيها الرسول.
إنها آية كعلي، ولكن بلون آخر وبصورة أخرى، تزهر الزهراء صلوات الله عليها لأهل السماء كما تزهر النجوم لأهل الارض، كانت تقف في محراب عبادتها وكان النور يشع من محرابها إلى عنان السماء، كانت تتعبد وتصلي لربها من اول الليل حتى الصباح، وكانت تدعو للجيران والمؤمنين والمؤمنات ولشيعتها وللرساليين عبر التاريخ ثم المجاهدين، ثم في الصباح يقول لها ابنها الحسن: اماه دعوت لكل الناس ولكن أين نصيبنا نحن.
فتقول: يا بني إعلم {الجار ثم الدار}، فاطمة الزهراء هي كفء علي، إلا إنها امرأة وعلي عليه الصلاة والسلام رجل!

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب