فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ماهو السبب وما هو الطريق ؟
1- لقد كانت لهذه السحب ما يثيرها ويكثفها في حقبة مديدة من التاريخ الاسلامي إذ كانت تلك الحقبة تتميز بالانحراف عن الاسلام في حقل السياسة، والقيادة ماهي إلاّ روح السياسة وعمقها البعيد.
لقد كانت المؤلفّات التي كتبت في تلك الحقبة تحمل طابعاً واحداً هي صفة التبرير للواقع السياسي الفاسد القائم آنذاك
فإنك مهما تصفحت الكتب السلطانية لا تجد فيها إلا صورة أمينة لحكم منحرف، او ترير لأوضاع شاذة.. ومن هنا قلّت المصادر الموثوق بها في حقل القيادة بحيث اصبح من الصعب على الباحث اليوم رؤية الوجه الناصع الاصيل الذي تتسم به القيادة الاسلامية بين الآف الوجوه المستعارة المزيفة اوالغامضة.
2- ومن هنا يتحتم على الباحث الصادق أن يفتش عن وجه القيادة الاسلامية في : ( الكتاب والسنة ) دون الاعتماد على تطبيقها في التاريخ الغابر، غير أن هناك ما يعد عقبة كؤ وداً في هذا الطريق، وهو اختراق حاجز زمني سميك تؤلفه ثلاثة عشر قرناً محفوفة بالاحتمالات البعيدة والتأويلات المتنافرة... فتبرز أمامه مشكلة ناشئة من تطور اللغة. ذلك لأن المفاهيم اللغوية تختلف من جيل إلى آخر، كأية ظاهرة اجتماعية اُخرى.
لقد أصبحت الذهنية العربية الحاضرة لا تفقه كثيراً من الألفاظ والجمل التي تنزلت على النبي العربي- صلى الله عليه وآله - بمثل العمق والسعة والتحديد الذي كان يفهمها إنسان الجزيرة في فجر الاسلام .
ان العربي اليوم لا يفقه معنى القيادة من كلمة (( الولاية)) ، ولاالسيادة من (( الدين )) ولا الحاكم من (( الرب ))، ولا الطاعة من (( العبادة )) و......و...... ولا يفهمها بتلك الابعاد التي كان يفهمها العربي الاول.... وهناك نظرة اُخرى ثالثة تسببت في تعقيد البحث في الموضوع، وغياب وجه القيادة الاسلامية كما هي.
3- هي أن لكل نظام سياسي في العالم (روح) تحقق جوهره و (شكل) يمثل مظهره ولا ريب ان المظاهر الشكلية ليست بذات أهمية تجاه (الروح) الجوهرية لذلك النظام .
ان صيغة ( الجمهورية ) و(الملكية) و(الحزبية المنفردة) و(الدورية) و.و. اشكال ظاهرية لروح نظم قائمة في عالمنا، هي (الديمقراطية) و( الاستبدادية)، وهي بالتالي تعكس القدرة على خلق مجتمع حر سعيد، أو عدم القدرة على ذلك وتعكس صلاحيتها لتحقيق غايات الانسان، واشباع حاجاته في الحياة أو عدم صلاحيتها .
وقد التبست الروح والشكل على الباحثين في حقل القيادة، فراحوا يخلطون هذا بذاك، أو يتعمقون في تقرير ما اذا كان إلاسلام يتقمص هذا الشكل أو ذاك دون أن يحاول استكناه الأهداف التي يحققها النظام السياسي في الاسلام، ويتبصروا الوسائل التي تحققها الضمانات التي جعلت لتحصن (القيادة) عن الفساد والانحراف.
وكان هذا سبباً ثالثاًً لخفاء حقيقة (القيادة الاسلامية) في زحمة الظواهر الشكلية التي تخضع لتطور الحياة، والتي لا تغنى عن روحها شيئاً. وكان هناك أخيراً: السبب الرابع الذي يتلخص في :
4- إنّ تاريخ المسلمين لا يمثل إلا جانبا واحداً وجزئياً من جوانب (الدين الاسلامي) إذ أنه احتمال واحد من بين احتمالات تطبيقه الخارجي كنظام اجتماعي، إلا أن هذه الحقيقة الواضحة التبست على طائفة من الكتاب حيث فقدوا بصيرة التمييز بينهما، فراحوا يخلطون تاريخ المسلمين بنظام الدين، وكان في ذلك سبب آخر لغموض القيادة الاسلامية، واختفاء وجهها الحقيقي وملامحها الواقعية.
وفي عقيدتي إنّ هذا الخلط ناشيء من الاعتقاد الفاسد الذي حمله بعض الكتاب بالنسبة إلى الدين، بانه (ظاهرة تاريخية) منبثقة من ظروف مادية تخضع لتطوراتها عبر مسيرة الزمن.
فالدين يعرف في مقياس هذا الاعتقاد من خلال: ( التاريخ ) فهو أمه وحاضنته !!
ولكن الواقع يثبت عكس هذا الاعتقاد تماماً، فهو يقرر أن الدين( حقيقة غيبية ) نزل بها جبرائيل من عند الله تعالى لكي تكون ( مهيمنة ) على التاريخ، ومسيرة له ، وشاهدة لتطوراته.
فالدين اذن لا يتأثر بالظروف، بل يؤثر فيها ويترك عليها طابعه الخاص فيكون علينا- حينئذ - معرفة الظروف به ، لا معرفته بالظروف. نعم، قد يكون ( التاريخ ) ممثلا للدين مجسّداً لكل تعاليمه، ومبرزاً لجميع حقائقه، وامتداداً مساوياً- تماماً- لرسالته، فيكون (التاريخ) آنئذ، تجربة واحدة من تجاربه التطبيقية الكثيرة، تساعد على فهمه واستيعابه ، وتشرح (اسلوب) تطبيقه.
ان هذه الاسباب الاربعة الرئيسية هي التي أبعدت موضوعية البحث أو أشكلتها في واقع القيادة الاسلامية ، ولا بد أن نسير على هدى تبصرّها، والانتباه إليها في كافة أحاديث هذا الكتاب، ولذلك فقد حاولنا وضع أربعة خطوط رئيسية للكتاب هي:
1/ تجاوز الاخطاء المترتبة على انحراف السياسة الزمنية، وقد يكلفنا ذلك التنازل عن بعض الالفاظ العصرية لكي نكون اكثر صراحة، وموضوعية.
2/ أن نبرهن- دائماً- على كل ما ننسبه إلى الدين، بنص تشريعي مقتبس من المصادر الأولية للتشريع الاسلامي: ( الكتاب والسنة، والاجماع، والعقل ) ذلك لكي نعطي القاري فرصة كافية للبحث شخصياً حول مدى صحة النسبة، دون ان نفرض عليه رأياً قد يكون بينه وبين الدين بُعد المشرقين.
3/ أن نهتم- أبداً- بالروح والجوهر، دون التوغل- دون جدوى- في المظاهر والشكليات، ومن هنا فقد تناول الحديث في البدء : ( القاعدة الدستورية للقيادة الاسلامية ) وهي التوحيد ثم القى بعض الضوء على: (مؤهلات القائد الأعلى) ومعطيا لكل واحد منها قاعدته الفكرية التي تربطه بفكرة ( التوحيد ) في الاسلام ثم نشفعه بفلسفته العقلية ونصه الدستوري.
ثم يستعرض السياق: ( أهداف الحكم الاسلامي ) ومدى اندماح الاُمة بالقائد، ومدى صلاحيات القائد في توجيه الامة وضبطها، وتدبير اُمورها.
4/ الابتعاد عن ملاحظة التطبيق الخارجي لفكرة القيادة الاسلامية، مستغنين عنها باستنباط الفكرة ذاتها من الشريعة، وتاركين (اسلوب) تطبيقها للظروف المتطورة.
وبعد ،
فان هذا الكتاب لا يبحث إلاّ عن بعض أبعاد السياسة الاسلامية والحكم الاسلامي وهو: ( القيادة ) إلاّ أن طبيعة التشابك في الموضوع قد تفرض علينا تناول بعض الأطراف الاخرى للسياسة والحكم في الاسلام بصورة هامشية، الا إنّ تناولها لا يعدو أن يكون نافذة لمعرفة : (( القيادة الاسلامية في الفلسفة والتشريع ))، والله المسدد والمستعان .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب