فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
مفارقات هامة
كلمتان :

1- ان للمفارقات المذكورة التي تميز بين النظام الاسلامي والنظام غير الاسلامي في مجال ( القيادة الاسلامية ) اهمية كبرى بالغة، لانها تقرر مصير القيادة، وتعكس ناحية الميوعة والانحلال فيها او ناحية الضبط والالتزام.
وتتقرر- بمصير القيادة- نهاية الأمة، إما الزوال والتحطيم والدمار، او الخلود والسعادة والأمل.
وتتقرر- بنهاية الأمة - حقيقة النظام الموجه لتلك القيادة والأمة، إما الصلاحية والواقعية ، كالاسلام، او الطوبائية والفساد، كسائر النظم البشرية الوضعية.
واخيراً تتقرر- بحقيقة النظام- واقع المشرع، القدرة والخبرة والعدالة، او الضعف والجهل والشذوذ.
2- ان هذه المفارقات نوعان: ما نفارق به الاسلام عن غيره، ومقياسنا - هنا - الوجدان، وشهادة وقائع الحياة واحداثها، وما نفارق به بين نظرية اسلامية واخرى، ومقياسنا- في هذا الحال- هو حكم الشريعة، مضافا إلى المقياس السابق.
وليست القيادة الاسلامية- كالقيادات البشرية- تحدد الكفاءة ( العلمية ) والامانة ( العملية ) بابتداء تسنم القائد لمركزه، تاركة اياه بعد ذلك في حرم منيع وحصانة تمنع عنه أي نقد واعتراض.
بل ( الفقه ) كفاءة لابد أن تستمركـ : ( العدالة ) فلو فقد القائد كفائته، أو عدالته، فقد معها كل صلاحياته فوراً، وترجع اليه هذه الصلاحيات متى رجع اليه ما فقدها ، ورجعت اليه الأمة بكامل حريتها.
بل ويذهب الفقه الاسلامي، خطوةً أبعد واعمق من هذا، حينما يحكم بافتقاد القائد الأعلى صلاحيته بمجرد أصابته بطائف خاطف من ( الجنون ) و ( الأغماء ) كل ذلك لكي تبقى القيادة في أمان من التأثر بالقائد، ولا يبقى القائد في أمان من القيادة، فيتنزل شيئاً إلى بهيمة طائشة الهوى، واسعة القوى، كبيرة الامكانيات.
ونحن نسأل من الذين يجعلون القائد الاعلى في حرم لا يقترب إليه ذواعتراض، وهم كانوا يشترطون (( الكفاءة والامانة )) قبل أن يدخله فنقول لهم : هل كانت لكم حاجة إلى اشتراط الكفاءة والامانة، قبل أن تسوّدوا على انفسكم هذا الشخص؟
فان قالوا: لا
قلنا: فعلى قلوبكم العفا.
وان قالوا نعم .
قلنا : هل تحقق المقصود بمجرد وجودهما قبيل التصدي للحكم ؟
لابد ان تقول: كلا، إذ أن الكفاءة إنما اعتبرت لأن الادارة بدونها قوة بلا توجيه، او توجيه بلا قوة، واذن فهي أحرى باسم (( الفوضى )) من عنوان الادارة والقيادة.
واشترطت الأمانة لتحفظ التوجيه والقوة في خط السعادة المستقيم الصاعد، وتضمن عدم انحرافهما عن الطريق الصحيح.
ثم هل تحققت الغاية المنشودة من وراء اشتراط الكفاءة والامانة ؟
ان كانت الادارة والحاجة اليها قد انتهت في الساعة الاولى من تسلّم القائد: السلطة فنحن مع الذين يكتفون باشتراطها في الساعة الاولى فقط...
وإلاّ- وهو المسلمّ طبعاً- فما هو الفرق بين الساعة الأولى والساعة الأخيرة بالنسبة إلى الادارة.
هل إن القرارات قد اتخذت في الساعة الاولى ، وانتهى الأمر، لتنتهي في هذه الصورة وظيفة الشروط التي جعلت لسلامتها، ولكي تحصنها عن الاعوجاج؟؟
هكذا - وبهذا البيان الموجز- نفقه أبعاد اشتراط الاسلام لـ (( الفقه والعدالة )) اشتراطاً دائمياً، كالحياه الرشد.
كما نفقه عمق نظره الاسلام إلى المواضيع ومدى واقعيته، في تناول قضايا الحياة.
ذلك ان اشتراط ( الدوام ) في مؤهلات القائد العام، وفي شرطي الكفاءة الفقهية والامانة العملية بصورة خاصة، يعطي القيادة الاسلامية طابعاً خاصاً يميزها بل ويرفعها إلى مستوى القمة بين سائر الصيغ القيادية التي تهبط بها الميوعة القيادية إلى حضيض البهيمية السافلة، ذلك أن علماء النفس والاجتماع والتاريخ يعرفون ويعترفون- بمدى خطورة رفع العقاب العاجل عن نفس بشرية مهما كانت وضيعة الشأن ضئيلة القوى، فكيف اذا كانت تلك النفس هي القائد التي تثيرها الاغرءات الكبيرة، ويطغى بها القوة والشهوة والثروة والسلطة.
ان السلطة المطلقة مُفسدة لاصغر الناس شأنا، واحقرهم مكاناً فكيف باكبرها واقدرها.
وان انهيار فرد عادي واخيد من قمة الضبط والالتزام إلى هاوية الميوعة والفوضى ليس بذي خطر بالغ عليه، يهدد حياته بالتحطيم إلى الابد، بل وانه يشكل خطراً جديداًً على الناس خطراً يهدد حياتهم بمزيد من القلق والاضطرابات ، أيضاً، فكيف اذا تحقق الانهيار بالنسبة إلى القائد في يديه مصائر الناس ومقدراتهم وشؤونهم .
واذا وجب جعل عقاب صارم يضبط القائد، فليس للقائد عقاب يضبط مثل عقاب ( التجريد عن صلاحياته ) وردّه رجلاً عادياً تمتصه عيون الازدراء، وتلاحقه ألسنة السخرية .
من هنا فان( استمرارية ) الكفاءة والأمانة ( او الفقه والعدالة ) في المؤهلات المشترطة للقائد، قاعدة صلبة لاتتزلزل عليها القيادة ولا تميد، لا تنحرف ولا تحيد.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب