فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
هذه المقاييس !
ولقد سبق ان الاسلام قدارسى اساسه واقام بنيانه على قاعدة التوحيد، ورفض الشركاء ، وكان من اولى مقتضيات هذا البناء ان الدين قد وحدّ السيادة وسلمّ بها لله رب العالمين، وجعل مقياس الخلافة عن الله في هذه السيادة:
( التقوى)46، لانها هي الرابطة الوحيدة بين الخلق والخالق.
ولهذا السبب ايضا رفض الاسلام كل مقياس مادي آخر. لأن المقياس المادي لا يعتنى به إلا اذا جُعل له ( قيمة ذاتية )، كما ان النظام القائم اليوم في كل من امريكا وجنوب افريقيا، هذا النظام الذي يعتبر ( البياض ) مقياساً في قيادته لابد ان يعطي هذا اللون ( قمية ذاتية ) ثم يعترف بهذه القيمة، يخضع لها، وهذا عينه الاشتراك بالله، واعتبار امتلاك (غير) الله قيمة ذاتية غير راجعة اليه سبحانه. وكذلك النظم البشرية التي تعطي العمر المعلوم ( قيمة ذاتية ) ولا تعترف بشيء لماهو أقل منه، لمجدد أنه اقدمنه فهي تعطي هذا القدر من الزمن والعدد من السنين اعتباراً ذاتياً، وقيمة موضوعية، ويشرك فيه بالله.
والخدمة والرتبة والسابقية ألوان اُخرى لعبادة غير الله، ولاعتقاد بقيمها الموضوعية.
وبهذه الحقيقة يُعرف انه لايمكن لدين يوحدّ الله ويرفض كل شرك، ظاهر، وخفي به ، لا يمكن ان يعتبر اي مقياس مادي سبباً في سيادة اي فرد على الآخرين، وكان من الطبيعي ان يرفض المقاييس المادية لهذه العلة بالذات.
وكان من الطبيعي ان نقول في النسب:
1- ( واذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال، اني جاعلك للناس اماماً قال: ومن ذربتي، قال : لا ينال عهدي الظالمين )
[124- البقرة]
قد يكون ذرية ابراهيم (ع) ائمة للناس كما كان أبوهم اماماً، وقد يصطفهم ربهم بعد ان يبتليهم و يختبرهم كما ابتلى ابراهيم اباهم، ولكن لا يمكن ان يجعل الله ( النسب ) الموصل لابراهيم ملاكاً للامامة فيعطي ذرية ابراهيم الامامة، صالحين كانوا، او فاسقين، فانه لا ينال عهد الله ( اي الامامة ) الظالمين.
2- ( ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا، والله وليّ المؤمنين )
[68- آل عمران]
صحيح ان ابراهيم كان نبياً وخليلاً وإماماً ولكنه ليس من الصحيح ان تكون ذريته كذلك وهم لم يتبعوه.
ان ابراهيم لم يُرفع إلى مقامه هذه لصفة مادية تنتقل إلى ذريته بالوراثة بل لجهاده وابتلائه فمن اتبعه في ذلك اصبح أولى به، وان لم ينسل منه، ومن لم يتبعه في ذلك كان بعيداً عنه وان كان من اقرب الناس اليه.
3- ( قال يا نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم، اني اعظك ان تكون من الجاهلين )
[46- هود]
في الحقيقة إن من كان يتصور أن ابن نوح - ع - محصن بالنسب عن الغرق رغم عصيانه لأمر الله فهو جاهل وأي جاهل، لأن نوحاً- ع - لم يبلغ ما بلغه لأنه ابن ابيه، حتى يبلغه ابنه لمجرد انه ابن نوح - ع - انما بلغ ما بلغ لجهاده واتقاءه الله العظيم فلولم يفعل ابنه ذلك كان من الجهل ان نطالب الله بأن يجعله كأبيه.
4- ويعزي الله تعالى الحمية إلى الجاهليين فيقول:
( اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين والزمهم كلمة التقوى وكانوا احق بها واهلها وكان الله بكل شيء عليما )
[26- الفتح]
ان هذه الاية تطبع الكافرين بطابع الحمية الجاهلية وتذكر المقياس الذي يقوم به الجاهليون اشياءهم كلها وهي ( الحمية ) بينما يرتفع المؤمنون عنها إلى مستوى السكينة التي يقدّرون بها كفاءات الناس ويقدّسونهم. بمقياس التقوى (( كلمة التوحيد المطلق )).
وقال النبي ( ص ) في هذا الصعيد:
(( من كان في قلبه مثقال ذرة من الحمية بعثه الله يوم القيامة مع اعراب الجاهلية.))47
وقال امير المؤمنين على عليه السلام:
(( الله الله في كبر الحمية وفخر الجاهلية، فإنه ملاقح الشنآن48 ومنافخ الشيطان، هلك بها الأمم الماضية والقرون الخالية ))49.
ولقد ضرب الرسول الاعظم للبشرية اروع الامثلة حينما رفع ( سلمان الفارسي ) على ( ابي لهب القريش العربي ) وقال فيه : (( سلمان منا أهل البيت )) ولعن ابا لهب لعنا خالداً حتى قال القرآن فيه ( تبت يدا ابي لهب ).

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب