فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
3- المسلمون والثورة الثقافية: هذه هي الثقافة الاسلامية المظلومة المطاردة، هذه هي ثقافة المسلمين المشوهة البعيدة عن روح دينهم ، وواقع ثقافتهم، فماذا ينبغي أن نعمل تجاه هذا الواقع؟. الحقيقة اننا بحاجة إلى : ( ثورة ثقافية ) عارمة تصحح اخطاء السابقين، وتحصننا على انجرافات اللاحقين. ولا يمكن أن نحقق أي تقدّم في أي مجال إلا بهذه الثورة العارمة الشاملة ، وذلك لأننا لو فتشنا عن الجذر البعيد الذي تنتهي اليه كل التطورات التاريخية والتغييرات الاجتماعية لما عثرنا على شيء إلاّ داخل النفوس البشرية التي انبثقت منها هذه التطورات والتغييرات. ان نفسية الفرد هي التي تصنع شخصية، وتصبغ احداث حياته بلون مختلف تماماً عن أي فرد آخر، فلم يكن اكبر العلماء، واشهر القادة واشجع الابطال...و.... و... ليصبحون كذلك إلا حينما وجدت في نفوسهم : ( نفسيات ) منسجمة مع هذه المراتب. إن دراسة واحدة لتاريخهم واحوا لهم تكشف عن أن نفوسهم كانت تهوي التفوق، وتعزم على تحقيقة، متحدية كل الصعوبات، متجاوزة كل العقبات التي تعترض سبيلهم ولذلك فقد اصبحوا كذلك أي كما هووا وطمحوا اليه وارادوا. وما يصدق على فرد واحد، يصدق على الأمة الكبيرة، لأنها ليست إلا مجموعة أفراد. والآن لنعرف ما هو المؤثر في نفسية البشر ليؤثر- بالتالي - على حياته الحقيقة ؟. الحقيقة ان الثقافة هي العامل الوحيد الذي يصنع من النفس البشرية الواحدة ذات ألوان شتى من ساعة الأخرى، ومن حالة لثانية تبعاً لا ختلاف التوجيه الثقافي. لتفترض توأمين - هما في كل شيء سواء - يعيشان في اجواء ثقافية مختلفة، كم سيكون الاختلاف بينهما، وكم سيكون التباعد ؟. إن الثقافة تجعل الغريب نسيباً، والضائع حبيباً، كما تجعل القريب بعيداً، والنسيب غريباً. هذه حقيقة تجرنا الى حقيقة أخرى هي أن الأمة الاسلامية اصبحت - اليوم - احوج ما تكون إلى تطور كبير ينتشلها من واقعها الفاسد المنهار إلى موقعها الطبيعي السامي السعيد. واذا كانت نفسية الامة هي التي انحدرت بها إلى هذا ( الواقع الفاسد ) فإن تغييرها أولى ضرورات النهضة والانطلاق. لقد كانت الامة الاسلامية تتغذى بمعارف السماء، التي جمعت إلى استقامة التوجيه قوة المنطلق، والى روح النشاط عمق التبصر، فبدلت بها ثقافة غير متوازنة الأطراف، ولا منسجمة القواعد والبناء94. ولا قادرة على الجري والانطلاق، وكان بداية تبديلها نهاية انطلاقها ،ومنعطف مسيرها حتى أدت بها إلى واقعها الذي نرى. لقد آل أمر الأمة الاسلامية إلى ما هو عليه الاّن حينما بدلت الأمة دينها و تجاهلت قوله تعالى ( ان الله لا يغبر ما بقوم حتى يغّيروا ما بأنفسهم ) هذه الكلمة التي تحمّل البشر كامل مسؤوليته في الحياة و تعطيه المذيدمن سرعة الحركة وقوة الانطلاق. وحينما اخذت بدلها قول الأغريق: كل شيء قدر محتوم، حتى ارادة البشر مفروضة عليه من القدر، هذه القولة التي تخمد جذوة الاندفاع من نفس كل بشر يعتقد بها والى الابد !!! وحينما غيّرت قوله تعالى ( وان ليس للانسان إلا ما سعى وان سعيه سوف يرى )95 وقوله سبحانه : ( ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه )96 ومثلهما كثير، وجميعها تزيد من نشاط البشر بأثارة حب السعادة فيه، وربط هذا الحب الأصيل بالكدح والعمل. واخذت بدل ذلك بقول المرجئة97ان الله يغفر بغير سبب لكل مذنب، أو قول الأشاعرة98: ان الله قد يعذب المحسن، وثيب المفسد لأنه لا يعمل وفق مقاييس معقولة. بهذه وأمثالها مما تسبب في برود الفرد عن العمل وتقاعسه لأنه لا يرجو ثواباً ولا يخشى عقاباً. واخيراً، حينما بدّلت المنهج الاسلامي للبحث الذي كان يجري من هذا النبع الخفيف النظيف ( الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه )99 هذه القولة التي تفتح بصيرة الفرد، وتوجهة نحو التفكير ولتعقل وتدفعه الى الاختيار الصحيح بدّلته بالمنهج الارسطي الثقيل الطويل الذي تغل الفكر بأغلال الموازين الممنهجة، والاصطلاحات الفجة المجة100. حينما بدلت الامة الاسلامية هذه بهذه ، وغيرت تلك بتلك أصابتها النكبة الكبرى والنكسة المأساة ذلك لأنها بدلت ما بنفسها من الانطلاق والمسؤولية والسعي والسرعة إلى الجمود والتملص عن الواجب ومن السعي الى الجدل والتعمق في التفاهات. والان حيث تتغذى الامة الاسلامية بنفايات الثقافة الغربية، وتعيش على رواسب الثقافة الغربية، والثقافة الجاهلية. الآن حيث تعشعش في دماغ الامة الموجه، افكار بائدة قد ماتت، وانقلبت تراباً، أو تيارات سائدة لم تبلغ الأمة مستواها101. الآن حيث يقال للأمة : اصبري ( نفس الكلمة التي قيلت لها حينما توغلت في النشاط ) فأن الأخرى أن يقال لها: إنتفضي، ويقال لها: انغلقي ... وكان احق لها: انفتحي. ويقال لها: ازهدي في الدنيا ( بنفس النبرة التي كان يقال لها حينما افرطت في العمل للدنيا وكادت تنسى العمل للآخرة ) وكان لا بد أن يقال لها- وهي تترك الساحة للآخرين - ( وقل اعملوا ... فسيرى الله عملكم ). الآن ... نحن بحاجة إلى : ( ثورة ثقافية ) نكنس بها كل النفايات، ونقلع عنها كل جذور الفساد، ونسقيها بثقافة جديدة قادرة على بعثها، وانطلاقها من جديد، ذلك لأنه دون ( ثورة ثقافية ) عارمة شاملة كاسحة كيف يتسنى للأمة أن تبدل نفسياتها، وكيف يمكن تطوير الأمة دون تبديل نفسيتها، وذهنيتها؟. هل يمكن فرض النهضة على الأمة دون أن تبلغ هي مستواها وتصبح جديرة بها ؟ هل يمكن إطلاق الأمة من أغلالها النفسية دون أن نشعرها بثقل هذه الأغلال وضرورة التخلص منها؟. هل يمكن فرض الانتصار على الامة في معاركها الحضارية، والامة تقف عملياً- بجانب اعدائها ضد أصداقائها... بل ضد مستقبلها ومصلحتها؟. ان الثورة الثقافية هم هي المنطلق الاول الذي يمكن ان يمد الثورة الحضارية بالوقود والخلود، وإلا فإن الثورة الحضارية ( الاقتصادية والصناعية والاجتماعية و...و ) وغير ممكنة، وفي حالة وجودها فرصاً- فهي غير باقية، إذ انها ستقاوم من قبل الامُة ذاتها، لأن الأمة مثقفة بثقافة اخرى مناقصة لثقافة الثورة والآن لنعرف كيف يمكن القيام بثورة ثقافية ؟.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|