فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
4- المسلمون والتقييم الثقافي : لابد لنا في سبيل تحقيق ثورة ثقافية عارمة نطور بها نفسيه الأمة بما يلائم ابتعاثها من جديد. لابد لنا من القيام بـ : ( تقييم ثقافي ) كامل نسير على ضوءه في عملية التجديد الثقافي. ان هذا لتقييم يقوم بدراسة الحقائق التالية: أ- ما هي الزيادات الجاهلية، والنفايات الأغريقية، والاوروبية التي اثرت في ثقافة المسلمين ؟ ومن أي الزوايا دخلت ؟ وما هو مدى تأثيرها فيها ؟؟. ثم ما هو الفكر الاشعري. والمعتزلي والمنهج الأرسطي، والقاعدة الفلسفية التي ابتنى عليها ثم المد الوثني الذي انطلق منها. وأخيراً حركة التجديد... والدعوة إلى المنهج الديكتارتي، ومدى تأثيرهما على دماغ الموجهين الثقافيين ؟. إن دراسة هذه الأمور جميعاً وتصفيتها ضرورة أولياً لبناء الثقافة الاسلامية الحديثة ثم النهضة الاسلامية102. ب- وبعد استصفاء ثقافة المسلمين عن هذه المؤثرات، من الطبيعي ان تحدث فراغات كبيرة وكثيرة داخلها نتيجة حذف هذه الثقافات الدخيلة وهنا يجب البحث عما يسد فراغها من الثقافة الاسلامية الحقة : ما هو منهج البحث الاسلامي؟. وما هي القاعدة الفلسفية التي تنطلق منها الأفكار الاسلامية في المسائل النظرية وما هي النظرات الاسلامية في الفلسفة العملية ؟؟ إن عملية استنباط الثقافة الاسلامية الصافية من مصادرها الموثوقة بحاجة إلى اختراق حاجز زمني سميك فيه كل ما في أربعة عشر قرناً من الغموض والسلبية والضياع، بالأضافة إلى ضرورة اختراق حاجز آخر اكثر سمكاً من الأول، وذلك هو حاجز ( السلبية البشرية ) التي تعيش بداخل المفكر الاسلامي وتمنعه من تمزيق الخرافات المعشعشة في دماغه. لذلك فإن هذه العملية اصعب بكثير من عملية التصفية التي هي بدورها عملية صعبة جداً. ج- لا ريب أن الثقافة الاسلامية مركبة من جزئين : ثابت ومتطور... شأنها - في ذلك - شأن التشريع الاسلامي فما هي متعلقة بالحق والعدل: ( ثابتة ) ما دام الحق والعدل، وما هي متعلقة بالتطبيق الخارجي للحق والعدل: ( متطورة ) تطور الحياة - الابدي. وعلى الثورة الثقافية المطلوبة أن تميز بين هذين النوعين محتفظة بالقسم ( الثابت ) ومعينة للقسم المتطور ما يلائمة في ظروفنا الحاضرة. ونكتفي هنا بمثال واحد نضربه لضرورة معرفة ( المتطور ) في الثقافة الاسلامية، لتبديلة بما يلائم العصر الحديث وهو : ان الاسلام يوجه الجندي توجيهاً ثقافياً يفرض ( الثبات ) في المعركة حتى الموت، وكان هذا هو روح النصر في ذلك العصر. أما الموجه الثقافي لجندي المقاومة ( = حرب العصابات ) فلا يعد قادراً إلا آن يقول للمسلم : أضرب وأهرب ولا تقاوم إلا إذا أيقنت بضعف العدو. ولا ريب أن هذا التوجيه من الاسلام متطور حسب الأمور التي كان يتوقف عيها النصر في ذلك اليوم، فاذا تطورت الأمور تطور التوجيه بحسبها، ولكن والى اخلاص كبير لهذه الروح ولتلك الأسس103. د- تتشابه النفس البشرية والجسم البشري في أن النفس حينما تمرض وتضعف لا بد لها من دواء يناسب مرضها، ومن مقويلائم ضعفها، ولكن اذا داوى الطبيب مرضاً بدواء غيره، أو قّواه بأكثر أو أقل مما يتحمل فقد فشل في احسن الفروض من إسداء أية خدمة إلى المريض أو الضعيف. ان الثقافة دواء النفس المريضة، وقوة النفس الضعيفة فلكل نوع منها مناسبة مع نوع من المرض ونوع من الضعف النفسي فمن النفس ما تعيش بلا قواعد ثابتة، ولا مقاييس دقيقة، فهي بحاجة الى إرساء قواعد فكرية لها واعطائها مقاييس كافية. ومن النفوس ما انفصلت قواعدها ومثلها عن الواقع الخارجي فهي في داخلها : ( شيء ) وهي في عملها ( شيء آخر ). فهي بحاجة الى انتزاع تشريع عن تلك القواعد لكي لا يتناقض واقعها الخارجي عن قيمها الداخلية. ومن النفوس ما تملك الأسس الفكرية كاملة وتملك بعدها التطبيق الجزئي لهذه الأسس ولكن لا تملك عادات واعراف منتزعة عن تكل الأسس ملائمة لتلك التطبيقات فهي بحاجة إلى هذه ( العادات والأعراف ). ومن النفوس ما اكتملت ثقافتها : (( اسساً وتشريعات وعادات ))، ولكنها غير متيقنة مما لديها فهي بحاجة الى تقوية كافية... إنها ضعيفة إيمانياً فحسب. وعلى الموجه الثقافي للامة الاسلامية يقيم المرحلة التي تمربها الأمة ... هل هي مرحلة النقص في الأسس الفكرية : ( العقائد ) أم هي مرحلة النقص في التشريع ( الاحكام ) أم هي مرحلة الأعراف : (( الأخلاق )) أم أن الأمة تعيش دور الضعف فقط ؟؟. لقد كان الرسول الأعظم - صلى الله عليه وآله وسلم - يتدرج بالوحي مع الأمة الاسلامية في كل مراحل نموها الثقافي حتى اكتملت على اسس رصينة ثابتة، واصبحت ( تلك الامة المثقفة حقاً بوحي السماء في كل شؤونها الفكرية ) شاهدة على أمم الأرض في العمقين الزماني والمكاني معاً. وكان لذلك أن أبتدأ الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بإرساء قاعدة التوحيد والعدل ( والذي يمثلة الايمان بالآخرة ) ثم بنى عليها قاعدة (( الرسالة )). كل ذلك فعله في العشرة الأولى من سنين بعثته وضمن آيات السور المكية. وهاجر إلى المدينة وتعمقت قواعد الدين في الأمة، وشرع الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بعرض الأحكام والنظم الراسية على تلك الاسس الثابتة. وفي اخريات حياته اكمل الرسول بالوحي آخر مراحل بناء الأمة وهي : ( الأخلاق ) . وجاء بعد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - الأئمة المعصومين (ع) كل يقوم بدوره الخاص في ( تقوية ) هذه الأسس والاحكام والاخلاق، حسب حاجة الامة الضرورية اليها! هذا ما كان في بداية تكون الامة ... أما الآن حيث الأمة الاسلامية تعيش مرحلة التجديد... تحتاج إلى من يتدرج معها في كافة مراحل نموها الثقافية حتى تأتي نفسياتها مكتملة في منطلقاتها الفكرية ومنتزعاتها التشريعية وأعرافها الاخلاقية، محتملة لكل الضغوط الثقافية التي تتعرض لها في ابتعاثها الجديد. ومن الواضح- بعد معرفة الحاجة الماسة الى التقييم المرحلي لثقافة الامة - من الواضح انه من غير المستطاع القيام بهذا التقييم بدون قيادة رشيدة حكيمة تستقطب جهود الأمة كلها وتجمع خبرات المفكرين جيمعاً لتستطيع القيام بهذه العملية المستصعبة. هـ_ واخيراً ان ثقافة الامة النامية تختلف عن ثقافة الأمة الراقية. ان الامة التي تعيش مأساتها، وتتجسس عن سعادتها، تختلف عن الامة السعيدة التي بلغت اوج انطلاقها، وما لها من مزيد. ان الامة النامية104 بحاجة الى ثقافة جماهيرية موحدة قوية سريعة تستطيع التهامها في دقائق ثم الاندفاع بها أبداً. أما الأمة الراقية فهي بحاجة الى ثقافة اختصاصية قادرة على ملأ فراغاتها، والتهام المزيد من نشاطاتها، والاجابة على فضول اسئلتها ثم مواجهة مشاكلها الناجمة عن التقدم ( لا التي نجمت عن التأخر ). والأمة الاسلامية اليوم لا تستطيع ان تنمو وتتحرك إلا بالثقافة الجماهيرية القوية الخفيفة ( تماماً كآيات القرآن ) التي تتحول إلى طاقة متفجرة فور وصولها إلى حرم النفس. وتعيين هذه الثقافة بحاجة الى مفكرين يتدارسون فيما بينهم ( الثقافة ) بتبصر كامل.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|