فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
أولاً: لا جبر ولا تفويض في علم الفلسفة، كذلك في علم الكلام بحث بعيد الغور حول الجبر والتفويض، فمن الناس من نفى عن الانسان كل ألوان المسؤولية، وقال: كل شيء مقضي عليه، وهو منذ أن خلق كان مسيّراً. ولعل الكفار الذين نسبوا أفعالهم القبيحة الى الله سبحانه، كانوا من هؤلاء حين قال عنهم ربنا: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ( (يس/47) وقال بعضهم (حسب ما يحكي عنهم الرب تعالى): (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ ( (المؤمِنون/106) وذهبت الأشاعرة إلى الجبر، وبالغ بعضهم في مذهبه حتى نسب الى الله كل أفعال العباد، ونفى عن ربه سبحانه صفة العدل. ومنهم من ذهب الى التفويض، ونفى قدرة ربه على عباده، وزعم أن الخلق قد فاض من ضمير الخالق من دون وعي منه ولا إختيار، ولا يستطيع أن يغير فيه شيئاً. كما أشعة الشمس حين تفيض منها، وحين لا تستطيع فيها صنعاً. سبحان الله! وقالت اليهود الذين ضاهئوا في هذه الكلمة الفاحشة الفلاسفة الاغريق، قالت: إن يد الله مغلولة. وقال الله سبحانه عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراًمِنْهُم مَآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَاَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( (المائدة/64) وسواءً الجبر أو التفويض في نفي المسؤولية عن الانسان؛ فمن ذهب الى الجبر تحرر بزعمه من مسؤولية أفعاله، بل إستسلم لقدره واسترسل مع الحتميات التي تقوده من طور الى طور. وتتعدد الحتميات عند هؤلاء؛ مثل حتمية الاقتصاد والشهوات، وحتمية الاجتماع والسياسة، وحتمية الدورات الحضارية وغيرها. أما القائلون بالتفويض، فإنهم أيضاً يتحللون من مسؤولية أفعالهم حين ينفون أية قدرة على التغيير عند الرب؛ فكيف بهم؟ ولعل القدرية الذين لعنهم الرسول صلى الله عليه وآله في هذه الأمة، وسمّاهم مجوس هذه الأمة، هم الذين يتحللون من المسؤولية سواءً بالجبر أو بالتفويض. وهكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "القدرية مجوس أمّتي". (1) أما المذهب الذي أرسى قاعدة المسؤولية عقائدياً، وزرع الإيمان بالقدرة على الاختيار عند الانسان، فهو الدين الحنيف الذي يقول (على لسان الإمام الصادق عليه السلام): "لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين". (1)
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|