فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
3/ الاستباق الى الخيرات
نستوحي من الآية 48 في سورة المائدة، إن حكمة اختلاف الأمم، الابتلاء. وبالرغم من اختلاف الشرائع والمناهج، فان عليهم جميعاً الاستباق الى الخيرات. وإليك بعض التفصيل في هذه البصائر:
أ- لأن لكل أمة ظروفها المتغيرة؛ مادية ومعنوية، فإن لكل منها شرعة ومنهاج. ولعل الشرعة هي بمثابة الدستور (القوانين الكلية)، بينما المنهاج هو سائر القوانين (التشريعات المفصلة).
ب- وهذا الاختلاف ليس شيئاً، مادام منسجماً مع الأصول العامة التي يهدي إليها الوحي والعقل، وتتفق عليه فطرة البشر كلهم.
ج- والله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة. ولكن هذا الاختلاف يهدف ابتلاءهم فيما آتاهم، واستخراج مكنون ضمائرهم. وهذا الابتلاء يحتمل واحداً من معنيين أو كليهما؛ أولاً: إمتحان الناس ببعضهم لكي يعلم الله مدى تمسكهم بالقيم الدينية، كما قال الله سبحانه: (وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلآَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً( (الفرقان/20). ثانياً: إستخراج طاقاتهم الكامنة بسبب التنافس، حيث إن الصراع يذكي في الانسان روح الاستباق والمسارعة. وهذه الروح حميدة إذا كانت المسارعة الى الخيرات، حيث قال الله سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَاْلأَرْضُ اُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( (آل عمران/133)، وقال سبحانه: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ( (الانعام/132)، وقال سبحانه: (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ( (المطففين/26).
ومن المعلوم إن الحضارات الكبرى قد ولدت في خضم الصراعات، ومن رحم التنافس البناء.
د- إن الاختلاف لا ينتهي في هذه الحياة، وإنما يعرف الحق الصراح عند الله يوم القيامة. فليس من الصحيح أن يصرف الانسان طاقاته في الجدليات الكلامية العقيمة، أو في محاولة إزالة الأطراف الأُخرى. وعليهم أن يبذلوا طاقتهم في سبيل الاستباق الى الخيرات والتنافس على المكرمات، واستخراج مكنون طاقاتهم، وتسخير المزيد من إمكانات الطبيعة في هذا السبيل.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب