فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
تطبيقات خارجية لحكمة المال
ونحن في ختام حديثنا هذا نشير الى جملة فروع ذكرت في الأحاديث أو في الفقه، والتي تعتبر تطبيقات لحكمة المال، وهي مجرد أمثلة وإلاّ فإن الفقه (كما الأحاديث) يزخر بالمزيد من تلك التطبيقات.
لقد حثّ الدين الاسلامي على النشاط والعمل، ونهى عن الضجر والكسل، ورغب في إكتساب المال. مما يهدينا الى أن حكمة المال تنشيط المجتمع، وإصلاح أمورهم.
1/ إعتبر الدين ترك التجارة نوعاً من الهوان، ويسبب في ضعف العقل. فقد روي عن الفضل بن أبي قرة، أنه قال: سأل أبو عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام عن رجل وأنا حاضر، فقال: ما حبسه عن الحجّ؟ فقيل: ترك التجارة، وقل شيئه. قال: وكان متّكئاً فاستوى جالساً، ثم قال لهم: لا تدعوا التجارة فتهونوا، اتّجروا بارك الله لكم. (1)
وقال الإمام الصادق عليه السلام: التجارة تزيد في العقل. (2)
2/ وندب الاسلام الى طلب الرزق، واعتبر الغنى عوناً على التقوى، ورغب في الأمل أبداً. فقد روي عن خالد بن نجيج، أنه قال: قال أبو عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام) إقرأوا من لقيتم من أصحابكم السلام، وقولوا لهم: إن فلان بن فلان يقرأكم السلام، وقولوا لهم: عليكم بتقوى الله وما ينال به ما عند الله. إني والله ما آمركم إلاّ بما نأمر به أنفسنا، فعليكم بالجدّ والاجتهاد، وإذا صلّيتم الصبح فانصرفتم فبكروا في طلب الرزق، واطلبوا الحلال، فإن الله سيرزقكم ويعينكم عليه. (3)
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم العون على تقوى الله الغنى. (4)
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فان موسى بن عمران خرج يقتبس ناراً لأهله فكلّمه الله ورجع نبياً، وخرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان، وخرجت سحرة فرعون يطلبون العزّ لفرعون فرجعوا مؤمنين. (5)
3/ وحذّرت التعاليم الدينية لائمة أهل البيت عليهم السلام من الكسل وكثرة النوم وإستساغة الفراغ وما أشبه، مما يمنع طلب الرزق، ويعطل دور الإنسان في الحياة، مما يخالف حكمة المال التي هي إقامة المجتمع وإصلاحه. فقد روي عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام، أنه قال: إنَّ الله عزّ وجلّ يبغض كثرة النوم، وكثرة الفراغ. (1)
وعن أبي جعفر (الإمام محمد الباقر) عليه السلام قال: إني لأبغض الرجل أو أبغض للرجل أن يكون كسلاناً عن أمر دنياه، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن أمر آخرته أكسل. (2)
وقال الإمام الصادق عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحلب عنز أهله. (3)
4/ ودعا أهل البيت عليهم السلام الى إصلاح المال وتقدير المعيشة، حيث إنهما يساهمان في صلاح المجتمع وقوامه. فقد روي عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام قال: إصلاح المال من الايمان. (4)
وروى داود بن سرحان قال: رأيت أبا عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام يكيل تمراً بيده، فقلت: جعلت فداك؛ لو أمرت بعض ولدك أو بعض مواليك فيكفيك. قال: يا داود؛ إنه لا يصلح المرء المسلم إلاّ ثلاثة: التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وحسن التقدير في المعيشة. (5)
5/ ومن ذلك ما ذكره المحقق الحلي في باب إحياء الموات من حكم الماء الفائض عن النهر المملوك فقال: (ما حكم) ما يفيضه النهر المملوك من الماء المباح؟ قال الشيخ (الطوسي) لا يملكه الحافر (المالك للنهر) ويعتبر هذا الفائض عند الشيخ كما إذا جرى السيل الى أرض مملوكة.
ثم قال: فإن وسعهم أو تراضوا فيه، فلا بحث. وإن تعاسروا، قسّم بينهم على سعة الضياع. ولو قيل يقسم على قدر إنصبائهم من النهر، كان حسناً. (1)
وهكذا نجد الشيخ الطوسي يرى تقسيم الماء على قدر الحاجة إليه، وليس على قدر النصيب، إعتماداً على حكمة الملكية. كما لا يرى لصاحب النهر ملكية للماء الفائض من نهره الذي حفره، لأن الماء الاضافي موهبة إلهية وليس يرتبط بالحافر.
6/ والفقه الإسلامي فرض حق الشفعة، وهو حق الشريك في إمتلاك حصة شريكه إذا باعها من غيره. وهنا أيضاً تغلبت حكمة الملكية على حق المالك في أن يبيع حصته لأي شخص، حيث إن الشراكة مما تختلف فيها أنظار الناس، فلا يجوز فرضها على أحد الشريكين من دون إختياره. (2)
7/ وهناك رأي فقهي يرى تحديد تصرف المريض (بمرض الوفاة) في أمواله. فلا يجوز لـه أن يهب أو يحابي منها إلاّ بقدر الثلث الذي يجوز له الوصية به بعد وفاته، لتعلق حق الورثة بماله . وهنا أيضاً حددت صلاحية المالك نظراً الى حكمة الملكية، وهي قوام المجتمع.
8/ وفي باب إحياء الموات، يتعلق حق من حدّد أرضاً بأحجار أو بسور أو ما أشبه، فيصبح أولى باحيائها من غيره. أمّا لو أهمل إحياءها، فإن الحاكم يجبره إمّا على إعمار الأرض أو رفع اليد عنها. ولو إمتنع أخرجها السلطان من يده، لئلا يعطلها. وهكذا تتغلب المصلحة العامة المتمثلة في إعمار الأرض على الحق الخاص.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب