فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ثالثاً: بين الإجتباء والتوبة
حين يعقد المؤمن عزائمه لكي يكون في الدرجة العاشرة من الايمان، فيغفل ويهوى الى الدرجة الأدنى منه، فإنه سرعان ما تداركه الرحمة الإلهية ويتبصر حتى يسمو الى درجته، وهناك يكون صالحاً للاجتباء. ذلك إن التوبة هي القدرة على كشف الخطأ، وتداركه في الوقت المناسب.
وكلتا المهمتين صعبتان الى درجة تـنكفئ عنهما ارادة اغلب الناس. فالانسان يزين لـه سوء عمله فيراه حسناً، ويشرع بالاعتذار لنفسه عن فعله، حتى يغير القيم، ويطمس نور الوجدان، ويفتري على الله الحق.. كل ذلك لكي لا يعترف بخطأه. يقول الله سبحانه: (وإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ( (البقرة/206)
هذا في الذنوب الكبيرة التي قبحها واضح، وحرمتها معلومة. أمّا في الهفوات فان مجال التبرير واسع. بينما نرى عباد الرحمن قد قهروا أهواءهم الى درجة يعترفون حتى بترك ما كان أولى، ويتوبون الى الله منها ويعتبرونه معصية. مثلاً النبي داود عليه السلام خرّ راكعاً وأناب عن سرعة قضاءه، فتاب عليه ربه، وجعله خليفته في الأرض، وأمره بالعدل.
وهكذا آدم أبو البشر حينما أكل من الشجرة، تاب الى الله فاجتباه ربه. وحسب حديث شريف، كان النهي عنه شجرة معينة، وآدم عليه السلام أكل من مثلها بعد أن شبه لـه إبليس الأمر باليمين الكاذبة، حيث قاسمه بالله. لنقرء معاً الحديث الشريف المروي عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. فقد روي عن علي بن محمد بن الجهم، أنه قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام، فقال لـه المأمون: يابن رسول الله؛ أليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى. قال: فما معنى قول الله عز وجل: (وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى( ؟ قال عليه السلام: إن الله تعالى قال لآدم: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتَما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ( ، وأشار لهما الى شجرة الحنطة (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين( ولم يقل: ولا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها. فلم يقربا من تلك الشجرة، وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما، وقال: ( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ( وإنما نهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الأكل منها ( إِلآَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ( ، (وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ(. ولم يكن آدم وحواء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً (فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ(، (فَاَكَلاَ مِنْهَا( ثقة بيمينه بالله. وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم يكن بذنب كبير إستحق به دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلما إجتباه الله تعالى، وجعله نبيـاً معصومــاً لا يذنب صغيرة ولا كبيـرة. قال الله تعالـى: (وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى(. وقال عز وجل: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إِبْرَاهِيمَ وءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(.(1)
وهكذا نستفيد؛ إن التائب من الذنب قد ينطلق الى نقطة أبعد من موقعه السابق قبل الذنب، إذا كانت توبته نصوحاً. فإن المسكنة التي يشعر بها أمام ربه، والعبودية التي يعيشها، وتأنيب الضمير الذي يتحسسه، كل ذلك جدير بأن يحصنه من الوقوع في الذنب مرّة أُخرى، بل ويجعله دائب السعي لاصلاح ما بدر منه، وذلك بالاجتهاد والكدح.
من هنا ينبغي ألاّ يقنط المؤمن بعد الذنب، بل يتوب الى الله توبة صادقة لعل الله يجتبيه لدرجة الشهادة على عصره، والله المستعان.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب