فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
ثانياً: فقه التقليد وهذه هي العلاقة السليمة مع الفقهاء، فعليك أن تقلدهم في حدود الشريعة، وبقدر ما أذن الله لك بإتباعهم، حيث قال الله سبحانه (إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِايَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( (المائدة/44) وقال الله سبحانه: (وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلَى اُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ( (النساء/83) وقال الله سبحانه: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّــرُونَ( (النّحل/43-44) فأهل الذكر هم المسؤولون في حدود البينات والزبر. (ولعل البينات تعني الأحكام الشرعية والعقلية الواضحة، بينما الزبر تعني الأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة). وفي حديث مفصل عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، يروي الإمام عن جده الإمام الصادق عليه السلام حديثاً حول الآية الكريمة التي تذم اليهود باتباعهم علمائهم، حيث يقول ربنا سبحانه: (وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ(. فقال رجل للإمام الصادق عليه السلام: فاذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلاّ بما يسمعون من علمائهم ولا سبيل لهم الى غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم. (1) وفي الجواب بيّن الامام نقطة الخلاف بين اليهود والمسلمين، وقال: إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح، وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف قلوبهم (1) إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدّق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله. فلذلك ذمّهم لما قلّدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكاياته. (2) وأضاف عليه السلام: وكذلك عوام امتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على طعام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً، والترفرف بالبر والاحسان على من تعصبوا لـه، وإن كان للاذلال والاهانة مستحقاً. فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه. وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم. فأما من ركب القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة. (3) والحديث مفصل، وتشهد على صحته مضامينه التي تتوافق وسائر النصوص التي سبق ذكر بعضها، ويأتي القسم الآخر منها إن شاء الله. وفي الحديث بصيرتان هامتان؛ الأولى: إن على المؤمن أن يبحث بجد عن الفقيه الذي يتبعه ويأخذ منه معالم دينه، ثم يختار العدل الذي وصفته الرواية بأنه مخالف لهواه، مطيع لأمر مولاه. البصيرة الثانية التي نستوحيها من الحديث: إن حكم العقل في إختيار المتبع، حكم نافذ شرعاً، وعليه فإن المؤمن يراقب قيادته لكي لا يركب مراكب السوء، ولا يغير أحكام الدين، وإلاّ فإنه غير معذور عند الله. وبتعبير آخر؛ إن الإتباع والتقليد لا يعني تجرد التابع والمقلد من أحكام عقله وثوابت الشريعة، إنما عليه أن يظل متمسكاً بهما أثناء التقليد، حتى لا يكتشف متأخراً إن من إتبعه كان منحرفاً وقد أضله عن السبيل. وهكذا نهت أحاديث كثيرة عن الاسترسال في الإتباع، إلاّ في الحجة الشرعية، وإليك طائفة منها: 1/ روي عن الثمالي، قال: قال أبو عبد الله (الإمام جعفر بن محمد الصادق) عليه السلام : "إياك و الرئاسة، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال. فقلت : جعلت فداك؛ أما الرئاسة فقد عرفتها، وأما أن أطـأ أعقـاب الرجال، فما ثلثا ما في يدي إلاَّ مما وطئت أعقاب الرجال. فقال : ليس حيث تذهب. إياك أن تنصب رجلا دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال. (1) قال العلامة المجلسي في بيانه لهذا الحديث: المراد أن تنصب رجلاً غير الحجة، فتصدقه في كل ما يقول برأيه من غير أن يسند ذلك الى المعصوم. (2) 2/ وروى سفيان بن خالد، عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام، أنه قال: يا سفيان؛ إياك والرئاسة، فما طلبها أحد إلاّ هلك. فقلت له: جعلت فداك؛ قد هلكنا إذا. ليس أحد منا إلا وهو يحب أن يذكر ويقصد و يؤخذ عنه. فقال: ليس حيث تذهب إليه، إنما ذلك أن تنصب رجلا دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال، وتدعو الناس إلى قوله. (3) 3/ وحذر الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في الحديث التالي من أخذ معالم الدين من أي كان، حيث قال: إن العلماء ورثة الأنبياء ، وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورّثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ شيئاً منها فقد أخذ حظاً وافراً. فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين، وإنتهال المبطلين، وتأويل الجاهلين. (1) 4/ وحذر الإمام محمد الباقر عليه السلام من الاسترسال في إتباع رواة الحديث. فقد روي عن جابر الجعفي، أنه قال: سمعت أبا جعفر (الإمام الباقر) عليه السلام يقول: إن لنا أوعية نملأوها علماً وحكماً، وليست لها بأهل، فما نملأوها إلا لتنقل إلى شيعتنا. فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها، ثم صفوها من الكدورة، تأخذونها بيضاء نقية صافية. وإياكم والأوعية، فإنها وعاء سوء فتنكبوها. (2) 5/ وأكد حديث شريف على وجود العدول من الفقهاء، ولا بد من البحث عنهم بجد. فقد روي عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفى الكير خبث الحديد. (3) 6/ ويؤكد الحديث التالي على ضرورة التمحيص، وعدم أخذ النصوص بلا تروي ونقد . فقد روي عن المسيح عليه السلام، أنه قال: خذوا الحق من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق. كونوا نقاد الكلام، فكم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله، كما زخرف الدرهم من نحاس بالفضة المموهة؛ النظر إلى ذلك سواء ، والبصراء به خبراء. (4)
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|