فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
رابعاً: معالم الإنتماء
ولكي يتم الإنتماء إلى خط الأنبياء والائمة الهداة، لا بد أن نتعرف عليهم وعلى سيرتهم وسنتهم، ونتبعها ما استطعنا الى ذلك سبيلاً، وندافع عنهم في السر والعلن.. في الرخاء والشدة، وأن نتحسس بالإنتماء الى أوليائهم أنى كانوا، ونتعاون معهم على البرّ والتقوى، ونشكل معهم ذلك الحزب القائم على أساس التقوى لا الحمية؛ على أساس القيم لا القوم والوطن؛ على أساس الحق والهدى لا المصالح والأهواء. والله المستعان.
إن غريزة الانسان تدعوه الى حب الراحة، والراحة الفكرية أعظم ما تتمناه النفس البشرية. ومن هنا فالبشر يستريح إلى الإتباع، لا الإبداع. فليكن - إذاً - إتباعه إتباعاً سليماً وفق المعايير التي ذكرت بها الآيات والأحاديث، ليس فقط في الشؤون الدينية، بل وحتى في قضايا الحياة.
والتوصيات التالية قد تساهم في تحديد معالم الإنتماء الصحيح:
1/ أن نسعى جاهدين لمعرفة الشخص الذي تتجلى فيه قيم الولاية الإلهية، والتي ذكرتنا بها آيات الذكر من العلم والهدى والاخلاص.. الأمثل فالأمثل، ونجعله محور إنتماءاتنا، وقطب رحى تجمعنا.
2/ أن نجعل تلك المكاسب التي سبق الحديث عنها باعتبارها أهداف الإتباع، هي معالم العلاقة مع القيادة.
3/ لكي يصبح حب الله والحب في الله أساس الإنتماء، لا المصالح العاجلة، ولا الحميات المادية، ولا العواطف الساذجة. إن الإنتماء (الإتباع) أخطر شيء، لأنه يحدد السبيل الى الله. فليكن عزمنا عند إختيار السبيل نابعاً من حب الله، ومن رجاء رضوانه وغفرانه.
4/ أن يكون أشد ساعات إنتمائنا عند هبوب رياح الفتنة، عندما تحيط بالناس الحيرة، ولا يعرفون كيف يتصرفون. هنا نزداد تمسكاً بالقيادة الإلهية، لأنها الحبل المتين والعروة الوثقى.
وهكذا عند الشدائد. فترك القيادة في ساعة العسرة، دليل على خور العزم وضعف الإنتماء، وهو سبب الإنهيار.
5/ التجمع الرباني يبحث عن سبل السلام، والله يهديهم إليها بصفاء عقولهم، وسلامة نياتهم، ونور إيمانهم، وتراكم خبراتهم، وما يتخلقون به من التشاور فيما بينهم.
وهكذا فإن هذا التجمع يهدف بلوغ تطلعاته عبر الطرق الآمنة، التي تقل فيها المتاعب وتكثر بها المكاسب.
6/ الغلبة على الأعداء بإذن الله تعالى، هدف بعيد يسعى إليه المنتمون إلى التجمع الرباني، والذي تحققه جملة الصفات المثلى التي يتحلى بها أبناء التجمع؛ من القوة والعزم والتوكل والبطولة والوفاء والصبر. إن التجمع الإيماني يعلو على سائر التجمعات بحق، لأنه يكتسب كل وسائل القوة حسبما أمرهم الله به، حين قال: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَااسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ( (الانفال/60)
7/ كل فرد من هذا التجمع يرى نفسه منصهراً في بوتقة الإيمان، وذائباً في تلك الوحدة الإلهية التي جمعت الأنبياء والأولياء عبر العصور. ولذلك فهو يحس بأعلى درجات الإندماج الذي تبشر به الآية الكريمة: ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي( (إبراهيم/36). وهذا الشعور يسمو بالفرد الى أعلى درجات الاحسان والايثار.
8/ وعبر الإنتماء الى هذا التجمع الإيماني، يحقق المؤمن واجب الشهادة على عصره، حيث تراه عارفاً بزمانه، مراقباً لحوادثه، حساساً تجاه تحولاته، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقيم القسط، ويشهد لله بالحق.
من هنا ينبغي لكل تجمع رباني أن تزداد رقابته على الأوضاع، وحضوره في الأحداث، وفاعليته للتأثير فيها. والله المستعان.
9/ التجمع الرباني مجتمع مثالي فريد، تتميز علاقاته الداخلية بالصدق والوفاء والتواصي، وهو مثل لأولئك الذين يعيشون عند ربهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهم الذين قال عنهم ربنا سبحانه: (فَاُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئِكَ رَفِيقاً( (النساء/69)
وكلمة "منهم" أو "مني" أو "من" الجماعة الكذائية ذات دلالات واسعة، إنها تدل على العلاقة العضوية؛ علاقة الاخوة، علاقة الاندماج. وهي -بالتالي- تعني تمثيل صفاتهم، وتشابه مناهجهم. وفي هذا السياق نقرء قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( (الشعراء/215). فالرحمة والعطف والصفاء، تلك أخلاق القيادات بالنسبة الى أفرادهم، وليست الفظاظة والانكفاء والترفع. وقد قال الله سبحانه: ( فَبِمَـا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ( (آل عمران/159)
وهكذا ينبغي على القيادات، وبالذات على المراجع والعلماء أن يحافظوا على الخلق النبوي العظيم في علاقاتهم مع أتباعهم، ويخفضوا لهم أجنحة الرحمة، ويشاركوهم في أفراحهم وأتراحهم، ويشاوروهم في الضراء والبأساء، ويزدادوا تلاحماً معهم وإندماجاً. والله المستعان.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب