فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
التأسي برسول الله (ص) مما أودعه الله سبحانه في فطرة البشر، تطلعه الى المثل العليا، وتأسيه بالسابقين من القدوات الرائدة. وبذلك يجبر كسر عزيمته، ويوفِّر في سبيل العلى نيته. وقد جعل الله لعباده أُسوات في منتهى الرفعة والسمو، ليعطيهم أعظم الفرص في التسامي إليه، والعروج في درجات الزلفى لديه، وهم الرسل والصديقون من أوصيائهم عليهم جميعاً صلوات الله. وفي طليعة الرسل خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وآله، وأبيه ابراهيم عليه السلام، والمؤمنون الذين كانوا حول الرسل هم - بدورهم- قدوات الخير والأسوات في الفضيلة والتقوى. 1/ وعلى الانسان أن يبحث عن أحسن المثل ليتمثله في حياته. وهكذا يهدي الله عباده المؤمنين الى التأسي بابراهيم عليه السلام، والذين معه من المؤمنين أُسوة حسنة. قال الله سبحانه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ( (الممتحنة/4) والبصائر التي نستوحيها من هذه الآية، هي: أولاً: إن بيان القرآن الكريم قد ركّز على دور شخص النبي إبراهيم عليه السلام، ثم بين دور الذين معه ليعرف أن التأسي أساساً بالنبي عليه السلام ثم بالمؤمنين، باعتبارهم أتباعاً لـه. ذلك إن الشرعية ليست في أصحاب الأنبياء، لأنهم بشر كسائر الناس. بلى؛ لهم ميزتهم في إتباعهم للرسل. ثانياً: لقد ذكّر السياق القرآني على الجانب المستصعب من حياة الرسل والمؤمنين، حيث تبرؤوا من المشركين. والبراءة منهم تعني إعلان الحرب المقدسة ضدهم، بما لها من تحديات خطيرة. وهذه البصيرة مشتركة في الموارد الثلاث التي وردت فيها كلمة التأسي في الذكر الحكيم، مما يهدي الى أن عظمة الرسل والتابعين لنهجهم، وأن إنتصارهم على الكفار لم يكن بلا ثمن. بلى؛ كان بثمن غال جداً. ثالثاً: إذا كانت غاية المؤمن رضوان الله عند لقائه، والفلاح في الحياة الآخرة. فإن عليه أن يتأسى بالرسل، لأنهم السبيل الى الله. فاذا كان النبي إبراهيم عليه السلام إنما بلغ مقامه الكريم عند الله بالبراءة من أعداء الله، فهل يمكن أن يبلغ سائر المؤمنين درجاتهم عند الله من دون تلك البراءة؟ وإذا كان خاتم رسل الله محمد صلى الله عليه وآله قد جاهد أعداء الله بنفسه وبالزمرة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه، أفلا يجب أن أتأسى بهم في مجاهدة أعداء الله؟ 2/ ومن هنا أكد ربنا على الصلة الوثيقة بين التأسي بابراهيم عليه السلام وبين رجاء الله واليوم الآخر، فقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ( (الممتحنة/6) 3/ لكي يستقيم المؤمن على صراط الحق، عليه أن يتذكر أبداً هدفه الأسمى، وغاية حياته، ألا وهي رضوان الله سبحانه. فمن عرف الى أين يسير، ضبط حركته باتجاه هدفه من دون إرتياب أو وسوسة، وبذلك تتوضح معالم سلوكه. أوَ ليس يجد المعيار السليم والدائم الذي يخدمه عند كل منعطف أو مفترق سبل؟ ثم إن تذكر الهدف الكبير يُسهّل على الانسان المسير، ويعينه على العقبات، ويوفر لـه النية لتجاوز الصعاب. وهكذا نجد السياق القرآني في سورة الأحزاب يأمر المسلمين بالصبر عند الساعات الشديدة، حيث يبتلى المؤمنون ويزلزلوا زلزالاً شديد: (اِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَاِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ( (الاحزاب/10) ثم يفضح المنافقين الذين كان في قلوبهم مرض، ويبين بعض أعذارهم: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَآ أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ اِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَاهِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَآ اِلاَّ يَسِيراً * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً * قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ اِن فَرَرْتُم مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لاَ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَآئِلِينَ لاِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ اِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ اِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ اُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَاِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الاَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْكَانُوا فِيكُم مَا قَاتَلُوا اِلاَّ قَلِيلاً( (الاحزاب/ 11-20) ثم يأمر بالتأسي بالرسول، حيث ويقول سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( (الاحزاب/21) ثم يبين الله تعالى موقف المؤمنين الثابت، حيث يقول: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ اِلآَّ اِيمَاناً وَتَسْلِيماً * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا( (الاحزاب/22-23) وهكذا جاءت كلمة التأسي في هذا السياق العاصف، مما يدلنا على أن التأسي برسول الله لا يعني مجرد إتباع سيرته الوضيئة في أيام الرخاء، بل وقبل ذلك الاقتداء به في ساعة العسرة، وعند مواجهة الشدائد.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|