فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
فقه الآيات
لقد أمر الوحي المؤمنين بالطاعة التامة للرسول صلى الله عليه وآله، بل ولكل الرسل عليهم السلام. فقال الله سبحانه: (مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ( (الحشر/7)
وقال الله تعالى: ( وَأطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فإِن تَوَلِّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ( (المائدة/92)
وقال الله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً( (النساء/64)
ولكن الله لم يأمر بالاقتداء بالرسل بوجه مطلق، وانما أمر بالاقتداء بهداهـم، فقال سبحانـه - بعد أن ذكر طائفة من الرسل العظام-: (اُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لآ أَسْاَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ( (الانعام/90)
والسؤال: ما هي الحكمة في تخصيص الأمر بالاقتداء العملي بسيرة الرسل بالهدى، بينما جاء الأمر بطاعتهم بوجه مطلق؟
لعل الحكمة تتمثل في إختلاف القول عن العمل. فالقول واضح مبين، بينما العمل مجمل. فلو لم يشفع بقول أو بقرائن مبينة، فان وجهه لا يكون معلوماً. فهذا النبي موسى عليه السلام لم يعرف وجه ما فعله العالم الذي إصطحبه، حتى بيّن له العالم تأويله.
ومن هنا قال علماء الأصول: إن عمل المعصوم إنما يكون حجة إذا عرف وجهه.
قال العلامة المظفر: لا شك في أن فعل المعصوم - بحكم كونه معصوماً- يدل على إباحة الفعل على الأقل، كما أن تركه لفعل يدل على عدم وجوبه على الأقل. (1)
ثم قال: إنه قد يكون لفعل المعصوم من الدلالة ما هو أوسع من ذلك، وذلك فيما إذا صدر منه محفوفاً بالقرينة، كأن يحرز أنه في مقام بيان حكم من الأحكام، أو عبادة من العبادات كالوضوء والصلاة ونحوهما، فإنه -حينئذ- يكون لفعله ظهور في وجه الفعل عن كونه واجباً أو مستحباً أو غير ذلك حسبما تقتضيه القرينة. (2)
وقال الغزالي : لا يمكن دعوى العموم في الفعل، لأن الفعل لا يقع إلاّ على وجه معين. فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه، لأن سائر الوجوه متساوية بالنسبة الى محتملاته. والعموم ما يتساوى بالنسبة الى دلالة اللفظ عليه، بل الفعل كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ. (3)
وضرب مثلاً على ذلك لصلاة النبي صل الله عليه وآله في الكعبة، وقال: فليس لقائل أن يستدل به على جواز الفرض. (4)
وقال الشاطبي: - فالفعل منه صلى الله عليه (وآله) وسلم- دليل على مطلق الإذن فيه، مالم يدل دليل على غيره من قول أو قرينة حال أو غيرهما. (1)
وهكذا أكثر سائر علماء الأصول أكدوا على هذه الفكرة. ولنا أن نتساءل: إذاً لماذا أمرنا بأن نتخذ من الرسول أسوة؟
يتبين الجواب باذن الله تعالى بعد ذكر جملة نقاط:
أولاً: إن سيرة الرسول - كما أقواله - حجة، وعلينا التأمل فيها ودراسة أبعادها، كما يجب علينا دراسة كلماته والتأمل فيها.
وكما لا يجوز أن نغض الطرف عن كلماته ونعتذر بانها غير واضحة، كذلك لا يجوز أن نتولى عن سيرته، ونبرر ذلك بأنها مجملة. كيف وقد أمرنا بالتأسي به صلى الله عليه وآله، وقد بيّن القرآن جملة من سيرته. أليس لكي نقتدي به فيها؟
وفي آيات التأسي بيّن ربنا سيرة الرسل والمؤمنين، هل لمجرد الاستماع إليها، أم للاهتداء بها؟
إذاً؛ إن علينا دراسة السيرة النبوية دراسة تهدينا الى عبرها وهداها، ومواقع الاقتداء والتأسي فيها. وبعد الدراسة إذا بقي إجمال فيها، يجوز لنا ردّها الى ما بيّن فيها، كما نرد المتشابه الى المحكم في الكتاب والسنة.
ومن هنا فقد روي عن الامام علي بن الحسين عليه السلام، أنهم كانوا يتعلمون مغازي النبي كما كانوا يتعلمون القرآن.
وقد إهتم المؤرخون والرواة الى نقل سيرة النبي صلى الله عليه وآله، حتى في أدق تفاصيلها.
ثانياً: في الحياة ثوابت ومتغيرات. فثوابت الحياة هي التي تفيض من سنن الحق التي أجراها الرب في خلقه، أمّا المتغيرات فهي نتيجة الظروف الزمانية والمكانية. والثوابت من سيرة الرسل حجة، لأن الزمن لا تأثير له فيها، وقد روي أن: "حلال محمد حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة". (1)
أمّا المتغيرات فإن فيها عبراً مفيدة، وفيها تفاصيل ممتعة. وإنما الحجة للأجيال في عبرها، وهي تلك الحكم العامة والمنهجية السلوكية التي يتبعها المقتدى (الرسول أو الوصي أو المؤمن) في أعماله. مثلاً؛ في قصة يوسف الصديق عليه السلام ثوابت، مثل الصبر والتقوى وتجنب الخيانة. وعلينا اتباعها، حيث إن الله سبحانه إستخلص من قصة النبي يوسف هذه العبرة، فقال: (قَالُوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُـحْسِنِينَ ( (يوسف/90)
أمّا متغيرات القصة مثل رؤيا يوسف في المنام، وإلقاؤه في البئر، وشراءه بثمن بخس، وتمكنه في بيت العزيز، فإن هذه التفاصيل ممتعة. وفيها أيضاً عبر خفية لو تدبرنا فيها إستفدناها؛ مثل نصيحة أوسط الاخوة بألاّ يقتلوه. فعبرته إمكان النهي عن المنكر، ولو بدرجة خفيفة. وإن النبي يعقوب عليه السلام قال لأبنائه: أخاف أن يأكله الذئب، مما جعلهم يجدون ما يعتذرون به عن سوء فعلهم. ولولا ذلك، ربما لم يكونوا يتوسلون بهذه الكذبة.
هذه الأمور ليست بالضرورة حجة، ولكنها مفيدة.
وفي قصة الرسول صلى الله عليه وآله، نقرء قول الله سبحانه: (وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( (آل عمران/121)
فإن القيادة الميدانية للرسول حجة على كل من يريد إتباعه، أمّا أنه كان يبكر الى المعركة ويحدد المواقع، فإنه ينفع أيضاً، ولكن قد لا يكون في مستوى الحجة الدالة على اللزوم. فقد ينبغي للقائد الميداني أن يتفقد مواقع القتال ليلاً، وليس أول الصباح.
ولعل هذه المفارقة بين الثوابت والمتغيرات، هي الحكمة وراء إجمال الفعل، وعدم الأمر بتمثله بوجه مطلق. اذ لو كان الأمر كذلك، إذاً لتسبب في جمود السلوك، وعدم تطابقه مع الظروف المتغيرة. وهو ينافي بقاء الدين وقدرته على التكيف مع كل زمان ومكان، ومع سائر الطبقات الاجتماعية.
ونحن قد تحدثنا ملياً في الجزء الثاني من هذه الموسوعة حول الحدود الفاصلة بين ثوابت الشريعة ومتغيراتها.
ثالثاً: كلمة الأسوة التي هي محور البحوث هنا، مشتقة حسب اللغة من مادة (أسو)، حيث يقول إبن الفارس عنها: أسوت الجرح: أسواً: إذا داويته فهو أسي. وأضاف: وأسوت أسواً بين القوم: اذا أصلحت بينهم. ولي في بني فلان أُسوة؛ أي: قدوة. وقال: وآسيت المصاب على مصابه: إذا عزيته وآسيته بنفسي. (1)
وقال المطرزي في المغرب: الأُسوة؛ إسم من إئتسى به إذا إقتدى به وإتبعه. ويقال آسيته بمالي؛ أي جعلته أُسوة أقتدي به ويقتدي هو بي، وواسيت لغة ضعيفة. (2)
وقال حسن المصطفوي: أسو؛ أصل واحد يدل على المداواة والاصلاح. أسوت الجرح: داويته، ولذلك يسمى الطبيب الأسي. أسوت بين القوم: أصلحت بينهم. ومن هذا الباب : لي في فلان أسوة؛ أي قدوة، أي أني أقتدي به. وآسيت فلانا: عزيته. (3)
ولكني أتصور أن أصل معاني هذه الكلمة المساواة، ومنه إشتقاق معنى العلاج، لأنه إستواء الخلقة. وكذلك إصلاح ذات البين، لأنه تسوية ما شجر فيه. وكذلك التعزية، لأنها إعلان عن المشاطرة مع أهل المصيبة في حزنهم.
ومن هنا التأسي والإيتساء هو محاولة التشبه بالأسوة للتساوي معه، وهو يوحي بالمشاطرة معه في المتاعب والمصاعب، وكذلك المصائب. وإذا لاحظت موارد إستعمال هذه الكلمة في العربية، لوجدت هذه المفارقة.
ومن هنا فإن علينا تحمل الصعاب لنتساوى مع قدواتنا الكرام. وعلى هذا فإن آيات التأسي لا دلالة فيها على ضرورة الإقتداء بالنبي في أفعاله بصفة مطلقة.
وقد أجاد العلامة المظفر في رده الاحتجاج بالآية الكريمة على وجوب التأسي، حيث قال: إن الآية نزلت في واقعة الأحزاب، فهي واردة مورد الحث على التأسي به في الصبر على القتال، وتحمل مصائب الجهاد في سبيل الله. فلا عموم لها بلزوم التأسي أو حسنه في كل فعل حتى الأفعال العادية. وليس معنى هذا أننا نقول بأن المورد يقيد المطلق أو يخصص العام، بل إنما نقول إنه يكون عقبة في (طريق) إتمام مقدمات الحكمة للتمسك بالاطلاق. فهو يضر بالاطلاق من دون أن يكون له ظهور في التقييد. (1)،(2)
رابعاً: الفعل أشد أثراً من القول، وأبلغ في الاتباع، بالرغم من أن القول أجلى بياناً وأوضـح.
ذلك لأن الهدف من إنبعاث الرسل تزكية البشر وتعليمهم، وإنما عبر الفعل وضرب الأمثلة الحية يتحقق هذا الهدف بصورة كاملة. وهكذا قد جاء في الحديث القدسي عن الله جل جلاله: "إني أنا الله لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم ، العزيز الحكيم... وإني إطلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي فلم أر فيهم أطوع لي و لا أنصح لخلقي من أنبيائي ورسلي، فجعلت لذلك فيهم روحي وكلمتي ، و ألزمتهم عبء حجتي، واصطفيتهم على البرايا برسالتي ووحيي، ثم ألقيت بمكاناتهم تلك في منازلهم حوامّهم وأوصياءهم من بعد، فألحقتهم بأنبيائي ورسلي ، وجعلتهم من بعدهم ودايع حجتي والأساة في بريتي ، لأجبر بهم كسر عبادي، وأقيم بهم أودهم، ذلك أني بهم وبقلوبهم لطيف خبير. ثم إطلعت في قلوب المصطفين من رسلي، فلم أجد فيهم أطوع لي و لا أنصح لخلقي من محمد خيرتي وخالصتي، فاخترته على علم ورفعت ذكره إلى ذكري." (1)
من هنا تأتي فائدة ذكر سيرة النبي وأهل بيته الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، حيث تشد سيرتهم عزائم المؤمنين، وتزيدهم صلابة في مواجهة الصعاب.
وقد جاء في حديث شريف عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام إن اسماعيل كان رسولاً نبياً سلط عليه قومه فقشروا جلدة وجهه وفروة رأسه، فأتاه رسول من رب العالمين فقال له: ربك يقرئك السلام ويقول قد رأيت ما صنع بك وقد أمرني بطاعتك فمرني بما شئت فقال: يكون لي بالحسين بن علي عليهما السلام أسوة. (2)
وعند هيجان الحرص على الدنيا والتكالب عليها من قبل أهلها، يتسلى المؤمنون بذكر سيرة نبيهم الكريم صلى الله عليه وآله، وكيف زهد في درجات الدنيا، ورغب فيما عند الله.. فلقد جاء في تفسير قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ( قال الطبرسي رحمه الله: قيل نزلت في ثعلبة بن حاطب، وكان من الانصار، قال للنبي صلى الله عليه وآله: أُدع الله أن يرزقني مالاً. فقال: يا ثعلبة؛ قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، أمالك في رسول الله صلى الله عليه وآله أُسوة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت... (3)
وجاء في حديث آخر عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام: ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله كاف لك في الأُسوة، ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها، وفطم عن رضاعها ، وزوي عن زخارفها.. (1)
ولأن العقل أبلغ أثراً في النفوس، فإن الدين الحنيف حث الدعاة الى الله أن يكونوا هم بأفعالهم أُسوة في المثل العليا التي يدعون الناس إليها، حيث روي عن الامام زين العابدين عليه السلام أنه قال: إن أبغض الناس الى الله عزّ وجلّ من يقتدي بسنة إمام، ولا يقتدي بأعماله. (2)
وقد كان قادتنا هم أسبق الناس بالعمل بما دعوا إليه. فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، أنه قال: ... أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أُسوة لهم في جشوبة العيش! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها... (3)

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب