فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
حب أولياء الله
تتجلى كرامة الانسان بأجلى صورها في حب الله وأولياءه، ذلك لأن الحب:
أولاً: تناغم وإنسجام الفؤاد الذي يغمره الحب الإلهي بكل تجلياته؛ يتطهر بالانابة، ويسمو بالصدق، ويستنير بالرضا والشكر، ويتدفأ بالشوق، ويقوى بالعزم والتوكل..
ثانياً: وإذا أحب الانسان ربه أطاعه إطاعة الاصرار، التي تفيض عن نبع الحب، لا تكلف فيها ولا نفاق.
ثالثاً: وعندما تبلو السرائر، وتتمثل الحقائق عند لقاء الله، ترى المحبين في مقعد صدق عند مليك مقتدر. لماذا؟ لأن الله يحشر كل إنسان مع من أحب.
ويخلص المؤمن حبّه لله، ويفيض حب الله على عباد الله المخلصين؛ رسله وأولياءه، ومنهم المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ومنهم السابقون الى الايمان، ومنهم سائر المؤمنين.
1/ الحب كما النسيم، كما العطر، كما النور ينشر. فمن أحبّ الله تعالى، أحبّ عباده الصالحين، وفي طليعتهم الأنبياء والأئمة عليهم السلام. وحب الرسول من حب الله، وحب أهل بيته عليهم السلام من ذلك الحب الكبير. ومن هنا جعل الله أجر رسالة النبي المصطفى المودة في القربى. قال الله سبحانه: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لآ أَسْاَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ( (الشّورى/23)
وهذا الأجر يعود بالتالي إلينا، أولم يقل ربنا سبحانه: (قُلْ مَآ سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( ؟ (سبأ/47) لأن حب أهل البيت عليهم السلام يشدنا الى معارفهم وسيرتهم، ويشدنا الى أوليائهم، ويجعل تنفيذ تعاليم الاسلام التي وصلت الينا عبرهم أيسر علينا.
2/ وكذلك كان دعاء النبي إبراهيم عليه السلام عندما همّ بتوديع ذريته، الذين أسكنهم عند بيت الله الحرام، كان دعاءه لربه أن يمنحهم ودَّ أفئدة من الناس، لكي تهوي إليهم. فقال ربنــا: (رَبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُـحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ( (اِبراهيم/37)
وهكذا سأل النبي ابراهيم عليه السلام ربه أولاً حب ذريته من قبل أفئدة من الناس، ثم سأله أن يرزقهم من الثمرات.
3/ وهكذا بشّر الله المؤمنين من عباده، أنَّ الله سيجعل لهم وداً، فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً( (مريم/96)
ولعلّ هذا الودّ هو الحب الذي يجعله الرب في أفئدة المؤمنين تجاه بعضهم البعض.
4/ وقد ألّف الله بين القلوب المؤمنة بهذه الصلة الوثيقة، حتى أنهم أصبحوا رحماء بينهم. قال الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْاَهُ فَاَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَــى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً( (الفتح/29)
5/ وبهذه الصلة الايمانية كانوا أذلاء على بعضهم، وبهذه الصلة كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
بلى؛ كمثل ذلك الحب الذي يجعل الأم تضحي من أجل رضيعها، إنه هو الحب الذي جعل مسلمي المدينة يؤثرون على أنفسهم، ويقاسمون المهاجرين ديارهم وأموالهم دون أن يريدوا جزاءً أو شكوراً. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوْا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّآ أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (الحشر/9)
بلى؛ الحب هو مفتاح أكثر الفضائل الانسانية. ألا ترى كيف قدّم أهل البيت عليهم السلام أقراص الرغيف للمسكين واليتيم والأسير بالرغم من حاجتهم الشديدة إليها وجوعهم الممض؟

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب