فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
أولاً: حب أهل البيت لماذا حب أهل البيت عليهم السلام؟ (1) لعل الاجابة الصحيحة تلخص في أمرين: 1/ لأن جذر الاختلاف بين الناس كامن في القلب، وأعظم أسبابه الحب والبغض. فالكبر والحسد والعصبيات القبلية والقومية والسياسية والأحقاد المتوارثة والجهالات العقيمة، هي وراء أكثر الاختلافات. وإذا لم تزك القلوب من آثارها، فإن الخلاف لايقضى عليه حتى في إطار الأهداف الواحدة والمصالح المشتركة. ومما يساهم في تصفية جزء كبير من أمراض القلب، حب أولياء الله؛ حيث يغمر نوره القلوب، فيفيض حتى يشمل طائفة المحبين جميعاً. إن حب الرسول يجعلنا نحب كل تابعيه، وحب أهل بيته يسري الى محبيهم حتى يصبحوا حزباً إلهياً واحداً، ويتحابوا في الله، ويتزاوروا في الله، ويتعارفوا في سبيل الله. هكذا شبه الرسول حبهم بسفينة نوح التي وحدت بين راكبيها، كما حملتهم الى برّ الأمان. إنهم الحبل المتين الذي يشد أزر المتمسكين ببعضهم، إنهم النجوم التي توحد مسيرة المهتدين بهم. ولأن طاعة أهل البيت، والتمسك بالقيادة الشرعية الرائدة، تقتضي جهاد المشركين، ومقاومة الطغاة والمترفين، وتحدي تيار الفساد والضلال.. وبالتالي تقتضي هذه الطاعة الجهاد والايثار والشهادة، فقد جعل الله منطلقه الحب الذي به يسهل كل صعب، بل ويتلذذ الحبيب بما يبذله في سبيل من يحب. ألم تر كيف يصبر المجاهدون في سجون الطغاة على أقسى ألوان التعذيب، ثم يقولون كما قال حبيبهم محمد صلى الله عليه وآله عندما تعرض لأذى قومه: "لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك". (1) ألم يأتك نبأ أهل الايثار في سوح القتال في كربلاء، يوم عاشوراء، كيف إستساغوا شراب الموت، وكان عندهم أشهى من العسل، لأنهم إتبعوا نهج إمامهم الحسين عليه السلام الذي قال وهو يعالج سكرات الموت تحت ركام من السيوف والخناجر والسهام والحجارة، وقد إشتد به العطش، ووتر بأفضل أهل بيت وأبر أصحاب، قال: "صبراً على قضائك، لا معبود سواك".(1) وقالوا على لسانه: تركــت الخلــق طــراً فــي هــواك وأيـتـمــت الـعيــال لـكــي أراك فلـــو قـطـعـتـنــي بـالـحـب إربــا لـمـا مــال الفــؤاد الــى ســواك. 2/ الطاعة الحقيقية هي لله، وأما المودة ففي القربى. نحن لا نطيع القيادة لذاتها أنى كانت، إنما نطيعها لأنها إمتداد لولاية الله سبحانه وتعالى. الطاعة ليست إلاّ لله ولمن أمــر الله، وهذا يتناسب وأجر الرسالة، لأن أجر الرسول هو أن يستمر نهجه، حيث كان يتطلع نحو بقاء خطــه الرسالي في الأمة. وهذا كان أهم أجر تقدمه الأمة الاسلامية لرسول الله، الذي ما ونى لحظــة عن تبليغ رسالات ربه، ولا إدخر وسعاً حتى أمره الله بألاّ يهلك نفسه حــزناً عليهم، وقــال: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِم إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً( (الكهف/6). وقــال: (طه * مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى( (طه/1-2) ومن هنا فقد تواترت الأحاديث حول حب أهل البيت عليهم السلام، حيث روي عن أبي جعفر (الامام محمد الباقر) عليه السلام قال: "عشر من لقي الله عز وجل بهنَّ دخل الجنة: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، والاقرار بما جاء من عند الله عزّ وجلّ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، والولاية لأولياء الله، والبراءة من أعداء الله، واجتناب كلّ مسكر". (2) وجاء في حديث مروي عن حبيش بن المعتمر قال: دخلت على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ كيف أمسيت؟ قال: أمسيت محبّاً لمحبّنا، ومبغضاً لمبغضنا، وأمسى محبّنا مغتبطاً برحمة من الله كان ينتظرها، وأمسى عدوّنا يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأن ذلك الشفا قد إنهار به في نار جهنم. وكـأنّ أبـواب الرحمة قد فتحت لأهلها، فهنيئاً لأهل الرحمة رحمتهم، والتعس لأهل النــار والنــار لهـم. يا حبيش؛ من سرّه أن يعلم أمحب لنا أم مبغض، فليمتحن قلبه، فإن كان يحب ولياً لنا فليس بمبغض لنا، وإن كان يبغض ولياً لنا فليس بمحب لنا. إن الله تعالى أخذ الميثاق لمحبينا بمودتنا، وكتب في الذكر اسم مبغضنا. نحن النجباء، وافراطنا افراط الأنبياء. (1) وفي رواية أبي حمزة الثمالي عن الامام محمد الباقر عليه السلام بيّـن إن إستكمال حقائق الايمان يكون بحب أئمة الهدى عليهم السلام، فقال: "يا أبا حمزة؛ إنما يعبد الله من عرف الله، وأمّا من لا يعرف الله كأنّما يعبد غيره هكذا ضالاً. قلت: أصلحك الله؛ وما معرفة الله؟ قال: يصدّق الله ويصدّق محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله في موالاة علي والإيتمام به وبأئمة الهدى من بعده، والبراءة الى الله من عدوّهم، وكذلك عرفان الله. قال: قلت: أصلحك الله؛ أيّ شيء إذا عملته أنا استكملت حقيقة الايمان؟ قال: توالي أولياء الله وتعادي أعداء الله، وتكون مع الصادقين كما أمرك الله. قال: قلت: ومن أولياء الله؟ فقال: أولياء الله محمد رسول الله وعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين، ثم انتهى الأمر إلينا، ثم ابني جعفر، وأومأ الى جعفر وهو جالس. فمن والى هؤلاء فقد والى أولياء الله، وكان مع الصادقين كما أمره الله. (2) والحب حقاً لا يجتمع مع حب الأعداء، حيث نقرء في حديث مأثور عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قدم عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك وأحب فلاناً، وسمّى بعض أعدائه. فقال عليه السلام: أما الآن فأنت أعور، فإمّا أن تعمي، وإمّا أن تبصر". (1) ومن هذه البصيرة نستوحي الأحكام التالية: أ- علينا أن نشعر أفئدتنا حب آل البيت عليهم السلام والبراءة من أعدائهم، وذلك بمعرفة درجاتهم ووصايا النبي صلى الله عليه وآله بحقهم، وقراءة سيرتهم العطرة، والتعرّف على كلماتهم المضيئة وخلقهم الرفيع، وزيارة مراقدهم، والسلام عليهم باستمرار عن قريب أو بعيد. ب- بزرع حب الأئمة عليهم السلام في أولادنا، وبيان فضائلهم لهم، حتى يتخذوهم لأنفسهم قدوات، ويتحلوا بصفاتهم، ويمتثلوا لتعاليمهم. ج- بنشر فضائلهم في الآفاق، ودعوة الناس إليهم بكل وسيلة ممكنة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|