فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الثالث: السبيل القويم
البينـة

أن تكون على بصيرة من أمرك وبينة واضحة، تلك قيمة سامية، وهدف هام. ولكن أنّى لنا بالبينة وقلوبنا محجوبة بالهوى والشهوات، تختلط فيها ظلمات الذات بضياء الهدى؟
نستوحي من آي الذكر الحكيم حقائق عن البينة:
أولاً: إنها من عند الله تعالى، (وليس من ذواتنا المظلمة).
ثانياً: إن من أوتي البينة، تنزلت عليه رحمة الله، ورزقه ربه رزقاً حسناً.
ثالثاً: ويتلوه شاهد من ربه ( يصدقه).
رابعاً: ومعه رصيد كبير من تجارب التاريخ تشهد بصدقه.
خامساً: يصدق فعله قوله، وعمله لسانه، مما يهدينا الى أنه على بصيرة تامة.
سادساً: إنه يريد الاصلاح أنّى استطاع إليه سبيلاً.
سابعاً: إنه يتوكل على ربّه (ويقتحم غمار التحديات بلا هوادة).
من هذه الكلمات نستوحي البصائر التالية:
1/ تنعقد القلوب على بعض المبادئ، التي تصبح مصدراً لثقافتهم وسلوكهم. ولكن ما هي العقائد السليمة، وكيف تتمايز مع الأخرى الخاطئة؟
ليس سهلاً معرفة ذلك، وإذا عرف الانسان ذلك فإنه هام جداً، لأنه الفاصل بين الهوى والضلالة، بين الجنة والنار. ولكن كيف نتعرف على ذلك؟
لابد أن نعرف إن الحق والباطل كما الظل والحرور، كما النور والظلام، كما الخير والشر، كما الحياة والممات.. إنهما واقعان متمايزان، لكل منهما حقائقه ومصاديقه وآياته ومعالمه، وهما لا يرتبطان بتمنيات الذات. فليس الحق ما نتمنى أن يكون حقاً، وليس الباطل ما نريده أن يكون باطلاً. إنما الحق هو الحق شئت ذلك أم أبيت، والباطل باطل أردت ذلك أم رفضت. قال الله تعالى: (أَم لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الأَخِرَةُ وَالأُولَى ( (النجم/24-25)
بهذه المعرفة نخطو الى فصل هوى النفس عن هدى الحق، لأننا إذا آمنا بوجود حق وباطل خارجين عن ذواتنا وتمنياتنا، نشرع بالبحث عنهما بحثاً موضوعياً، ونبحث عن آياتهما. فأين الحق؟ إنه عند الله سبحانه، لأنه السبوح القدوس، لأنه تعالى عن الظلم، لأنه قائم بالقسط، لأنه الملك الحق المبين، لأن قوله الحق.
وهنا نخطو الخطوة الحاسمة على طريق النور، حيث نعرف أن الحق من الله، ومن كان على بينة من ربه فهو على الصراط المستقيم. أما من زين لـه سوء عمله فرآه حسناً، فإنه يتبع هواه، حيث يقول ربنا سبحانه: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُم( (محمد/14)
وهذه خطوة تكميلية، فمن عرف الحق عرف الباطل، ومن عرف الحق عرف أهله، ومن عرف الباطل عرف أهله أيضاً. إن أهل الباطل قد يعتقدون بآرائهم، ولكن ليس لأنها ذات رصيد في ميزان العقل، بل لأنها قد زينت لهم. ولماذا زينت لهم؟ لأنهم أساءوا العمل وخالفوا عقولهم وضمائرهم، حتى طمست معالم الحق في أعينهم، فاختلط عليهم الأمر. تماماً كمن يفقأ عينه، فأنى له أن يبصر طريقه، وبماذا يبصره؟ كذلك من إقترف ذنباً يزين له سوء عمله بقدره، وهناك يسترسل مع هواه يتبعه أنّى يتجه به.
ونستفيد من الآية؛ إن مصدر القناعة عند البشر قد يكون بينة الرب فيكون مهتدياً، وقد يكون سوء العمل فيكون ضالاً. وعلى أي حال فإن الضال يبقى في تردد وعمى، بينما الذي هداه الله تطمئن نفسه ويستريح في ظلال الايمان الوارف.
2/ لا تكفي تواتر الآيات هدى للبشر، كما لا تشكل موجات النور وحدها رؤية عند الإنسان. فلولا العين المبصرة أنّى تتسنى لنا الرؤية. كذلك من دون "إرادة" الاهتداء عند الانسان وتقبل آيات الحق لايهديه الرب. من هنا فمن كذّب بآيات الله وصدف عنها لا يهتدي. قال ربنا سبحانه: (أَوْ تَقُولوا لَوْ أَنَّآ اُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِاَيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ( (الانعام/157)
ونستفيد من الآية الكريمة؛ إن الذين ينتظرون إكراههم على الهدى دون أن يبحثوا عنه، أو يتقبلوا آياته، أو يستمعوا إلى دعائه، إنهم يظلون في عماء محيط.
إن التصديق بآيات الله شرط الاهتداء بها. فيا ترى ما هي آيات الرب، هل هي آيات الكتاب، أم انها حملة الكتاب (الرسل والأئمة والصديقون)، أم هي آيات الله في خلقه، أم هي الجميع؟
بلى؛ كل ما يدلنا على الحقيقة علينا التصديق به حتى نهتدي باذن الله، وإلاّ فإن الرفض لها والاعراض عنها وتحريفها وتأويلها والتكذيب بها، لن يزيد البشر إلاّ خساراً.
3/ لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار، كما لا يستوي الظل ولا الحرور.. أصحاب الجنة محورهم الحق، بينما أصحاب النار محورهم الهوى. ومن خلال معرفة صفات هؤلاء وخلال أولئك، قد يهتدي الانسان الى الحقيقة. وبكل وضوح وبكل شفافية يعلن الرسول انه على بينة من ربه، فهو على يقين مبين. وهم الذين يكذبون بالحق، ويستعجلون عذاب الله، وكفى بذلك فاصلاً بينهم وبينه. قال الله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ( (الانعام/57)
4/ إن التعرف على أُولي البصائر، أصحاب اليقين الذين هم على بينة من أمرهم؛ إن التعرف عليهم طريق الى معرفة البينة، لأن الحق والباطل يتمثلان عادة في رجال، لو عرفهم المرء حق المعرفة، لعرف الحق والباطل بوضوح. ولا ريب إن سيرة الأنبياء والأئمة عليهم السلام والربانيون من أتباعهم إضاءة لامعة بسبيل الهدى. فعلينا اذا سمعنا منادياً يدعونا الى مبدء أن ننظر الى سيرته، هل هي تجسيد لتلك الدعوة، فهو على بينة من أمره، أم إنه يتبع هواه وإن أمره فرط وفوضى.
وهكذا كانت دعوة الأنبياء عليهم السلام مدعومة بسيرتهم الوضيئة، وكانوا هم على بينة من ربهم. كذلك قال الله سبحانه (عن النبي نوح عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وءَاتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ( (هود/28)
5/ ومن حقائق البينة الرحمة الإلهية التي ينـزلها على الأنبياء. قال الله سبحانه (عن النبي صالح عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وءَاتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( (هود/63)
إن مفتاح الفلاح المتمثل في رحمته سبحانه عليهم، أعظم مما لدى الكفار من كنوز الثروة، أو جنود القوة، أو ألوان المكر. وذلك المفتاح آية البينة التي جعلها الله لهم، ومن دونها كيف يتسنى لهم الإنتصار على عتاة الثروة وجبابرة السلطة ودهاة المكر والحيلة؟
6/ ومن آيات البينة شهادة الصديقين. فمع كل نبي صديق من قومه يشهد لـه، وهو آية البينة عنده. فمع النبي موسى أخوه هارون، ومع النبي سليمان آصف، ومع النبي عيسى يحيى عليهم السلام، ومع النبي محمد صلى الله عليه وآله إبن عمه ووصيه وأخوه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. قال الله تعالى: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً اُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْبِهِ مِنَ الاَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ( (هود/17)
وإذا أراد أحد الهدى فإن قراءة سريعة لسيرة الصديقين، وإيثارهم، وتفانيهم (في نصرة رسل الله) تكفيه حجة بأنهم كانوا على بينة من الله. ولولا تلك البصيرة التي كانوا عليها لما قدموا كل ما يملكون في سبيل تلك الدعوة. من هنا قال الله سبحانه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكينَ ( (يوسف/108)
فهم جميعاً على بصيرة وعلى بينة، وهذه شهادة صدق الدعوة.
7/ ولأن الرسول على بينة، فهو على ثقة تامة من نصر الله. ومن هنا فهو يتوكل على ربــه، ويقتحم غمار التحديات بعزم واستقامة وسكينة. من هنا ختم النبي شعيب عليه السلام تحديــه مع قومه، بأنه على الله يتوكل وإليه ينيب. قال ربنا سبحانه (عن النبي شعيب عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَآ اُرِيدُ أَنْ اُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ اُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَـوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ اُنِيبُ ( (هود/88)
ونستفيد من الآية؛ إن رزق الله الحسن للنبي (من بنية جسدية سليمة، وخلق إنساني عظيم، وسلوك إجتماعي جميل، وحياة فاضلة، ونفس مطمئنة، وتوفيق مبارك في مختلف أنشطته وكذلك تطبيقه العملي لما يلفظه قولاً، وإرادته الاصلاح في الناس، وثقته التامة بربه..) كل أولئك آيات البينة التي هو عليها.
وإذا أخذنا مثلاً الاصلاح الذي كان يهدفه النبي شعيب في قومه، فإنه يكفي دليلاً على صدق دعوته. ذلك لأن كثيراً من بنود الاصلاح كانت واضحة لوجدان الناس. فإيفاء الكيل والوزن، وتجنب الفساد، وتأليف الأفئدة، والاهتمام بالمحرومين، وما أشبه.. حقائق فطرية يشهد بصدقها ضمير كل حي. وهكذا كانت رسالات الأنبياء عليهم السلام كافية دليلاً على صدقهم، وقد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة....". (1)
ولقد كانت إنابة النبي شعيب عليه السلام الى ربه مثلاً حتى بين أنبياء الله عليهم السلام، حيث كان شديد الضراعة، كثير الصلاة، رشيداً حليماً. وقالوا إن عينيه قد ابيضّتا خشية من الله وشكراً له.. وهكذا كانت الإنابة إلى الله واحدة من بينات الرسل..

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب