فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
بقية الله
من الناس من يصاب في بصيرته، فلا يرى إلاّ قدام رجليه؛ ومنهم من ينفذ ببصيرته في عمق الزمن، حتى يرمي ببصره الى أقصى مراحل حياته في الآخرة.
إن من كرامة الانسان تساميه عن لحظته الراهنة، واستشرافه الأفق الأقصى، كما إن من كرامته بلوغ بقية الله التي هي هدف المؤمن، لماذا؟
أولاً: لأنها خير عظيم، بينما اللذات العاجلة تنطوي - عادة - على شر مستطير.
ثانياً: لأنها باقية، بينما الشهوات فانية.
ثالثاً: لأن ثوابها ليس مادياً فحسب، بل هو ثواب معنوي أيضاً.
1/ أهل مدين كانوا يطففون في المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض، فنهاهم النبي شعيب عليه السلام عن كل ذلك وذكرهم بأن بقية الله خير لهم. قال الله سبحانه: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( (هود/86)
فما هي بقية الله؟ هي الربح الذي يبقى بعد صفقة عادلة. فان في ذلك الربح بركة الله، لأنه ساهم في دورة اقتصادية سليمة.
أم هي كل خير يتوفر لهم إذا هم عملوا بوصايا النبي شعيب، والتي تلخصت في نهيه عن الفساد؟
أم هي أبعد من هذا وذاك، وهي ذات الرسالة التي هبطت عليهم، وهذا الرسول الذي حملها، فاذا هم استمعوا إليه وأطاعوه فإنه عليه السلام خير لهم؟
بلى؛ هذا المعنى الشامل أقرب الى لغة الذكر، التي تضرب الأمثال ببعض الحقائق المفصلّة، ثم تبين الكلمة الشاملة لها ولغيرها.
وهذا ما يشير إليه تأويل هذه الآية بالإمام الحجة المنتظر عليه السلام، حيث جاء في الحديث:
أول ما ينطق به القائم عليه السلام: أنا بقية الله وحجته وخليفته عليكم. فلا يسلّم عليه مسلّم إلاّ قال: السلام عليك يا بقية الله في أرضه. (1)
ومن هنا نستفيد؛ إن علينا أن نبحث عن بقية الله، سواءً في المكاسب اليومية التي نجعلها من الحلال لا الحرام، أو في مجمل أنشطتنا نجعلها وفق الشريعة، أو في كافة أبعاد حياتنا.. ومنها التوجه الى الله سبحانه عبر الرسل والأئمة، وبالذات الإمام الحجة المنتظر عليه وعليهم السلام.
2/ كل نعم الله عليك وسائل الى رحمته. ففي الوقت الذي يمكنك أن تنتفع بالمال والبنين في الدنيا بقدر حاجتك وفي حدود أحكام الدين، في الوقت ذاته ينبغي أن نجعلها وسيلة التكامل الى الله. إذ الغنى نعم العون على الدين والدنيا. قال الله سبحانه: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( (الكهف/46)
3/ وقال الله سبحانه: (إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى( (طه/73)
4/ وقال الله سبحانه: (وَمَآ أُوتِيتُم مِن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ( (القصص/60)
ونستفيد من الآية؛ ضرورة الاستفادة من كل نعمة إلهية في سبيل التقرب الى الله، وذلك بالاستفادة السليمة منها وبإيتاء حقها وبالاستعانة بها للاعمال الصالحة وما أشبه.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب