فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الف: حقائق الصدق
1/ عندما اتهمت زوجة العزيز يوسف الصديق سلام الله عليه بأنه راودها عن نفسها، أنطق الله بعزته وحكمته ورحمته الواسعة؛ أنطق طفلاً من أهلها شهد ليوسف عند العزيز بأن المرأة هي التي راودته، واستشهد بأن قميصه قُدَّ من دبر وهو دليل على أن يوسف كان يفلت من يدها وهي التي تتمسك بأذياله. فقال ربنا سبحانه: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ( (يوسف/26)
هذا مثل للصدق، وفي مقابله مثل للكذب. فيوسف لم يراودها، بل هي التي راودته. وصدق يوسف يتمثل في أن كلامه مطابق للحقيقة الواقعة، وشاهد صدقه قميصه.
2/ ولكن الصدق لا يتحدد عند موافقة اللسان للواقع، بل يشمل موافقة العمل للسان. فمن إدعى أنه بار، فان آمن فعلاً بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والرسل، وآتى المال لذوي الحاجة، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وأوفى بعهده، وصبر عند الشدائد وفي الحرب، فإنه يكون صادقاً في دعواه. أما إذا اكتفى بمظاهر العبادة، فوقف لحظات باتجاه المغرب والمشرق، وتشبث بحدود الشريعة الظاهرية دون قيمها وروحها، كما فعلت اليهود؛ فإنه ليس بصادق، لأن عمله يكذب لسانه. قال الله سبحانه: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ الْسَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ اُوْلَئِكَ الَّذِين َصَدَقُوْا وَاُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( (البقرة/177)
3/ إنما الصادق حقاً هو الذي وفى بعهده مع الله وميثاقه، بألاّ يعبد إلاّ الله، وأن يجاهد في سبيله، وأن يكون من المؤمنين الذين وفوا بعهد الله فمنهم من استشهد في سبيله أو عبد الله حتى آتاه اليقين، ومنهم من لايزال ينتظر. قال الله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا( (الاحزاب/23)
ونستفيد من الآية الحقائق التالية:
ألف: إن الله هو الذي يكتب الشهادة في سبيله لرجال، والانتظار لآخرين الى أجل مسمى. ومن هنا فإنهم ما بدّلوا تبديلاً.
فها هو حمزة سيد الشهداء يضمّخ بدمه في معركة أحد. بينما يبقى الامام علي عليه السلام ينتظرها حتى يلاقيها في محراب المسجد بالكوفة بعد ثلاثين ونيف من الأعوام.
باء: إن المؤمنين الموفين بعهد الله ينتظرون الشهادة، وربما بفازغ الصبر. وثم حديث دار بين النبي المصطفى صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام يكشف ذلك، حيث قال الإمام عليه السلام: يا رسول الله؛ أوَ ليس قد قلت لي يوم اُحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين، وحيزت عني الشهادة، فشقَّ ذلك عليَّ، فقلت لي: أبشر، فإن الشهادة من ورائك؟ فقال لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن؟ فقلت: يا رسول الله؛ ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر. (1)
إذا كانت في الأمة طائفة من المؤمنين ينتظرون الشهادة، فإن الأمة لا تخشى بإذن الله ذلاً ولا هزيمة، لأن العدو يهابها. فمن يمتلك القوة امام واله الشهادة والباحث عنها؟؟
جيم: إن الوفاء بعهد الله هو الصدق العملي، حيث إن كل مؤمن يواثق ربه على العمل بما يأمر به سبحانه أبداً، فاذا عمل فعلاً بميثاقه فقد صدق عمله قوله.
4/ ويتجلى الصدق العملي عند لقاء العدو، عندئذ تبلو سرائر المرء، وتتوضح حقائقه عند نفسه قبل الآخرين. وعلى الانسان أن يزكي نفسه بالاستعاذة بالله من الشك والشبهة والتردد، حتى لا تخونه عزماته عند المواجهة، ذلك لأن الصدق عند البأس خير له عاقبة. قال الله سبحانه: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ( (محمد/21)
5/ وقد يتدرج المؤمن من التصديق القولي الى التصديق عملياً بانفاق ماله الى أن يوفقه الله سبحانه للتصديق حقاً ببذل نفسه. وهكذا سمّي العطاء بالتصدق، لأن صاحبه يصدق بعمله ما أظهره من الايمان بالله واليوم الآخر. قال الله سبحانه: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ اَنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( (المائدة/45)
6/ وقال تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يآ أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَاَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ( (يوسف/88)
ونستفيد من القرآن؛ أن التصدق كفارة الذنب، وأن الله سبحانه يجزي المتصدق خير الجزاء. أوليس قد صدق فعله قوله، ووفى لله سبحانه بما عاهد عليه؟

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب