فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
أولاً: الصدق والقسط واجتناب الظلم
1/ لقد أمر الله سبحانه بالصدق، فقال: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيـلا( (الاحزاب/23). وقـــال تعالـــى: (وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( (الزمر/33). وقال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( (التوبة/119)
2/ وأمر الله تعالى بالعدل، فقال: ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( (المائدة /8)
3/ وأمر الله جل وعلا بالقسط، فقال: ( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ( (الاعراف/29). وقال تعالى: (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَاَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَاَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( (الحجرات/9)
4/ وأمر الله تعالى المسلمين بالقيام بالقسط، فقال: ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإِن تَلْوُو أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً( (النساء/135)
5/ ونهى ربنا عز وجل عن الظلم أشد النهي؛ ومن حقائقه أكل أموال الناس بالباطل، فقال سبحانه: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً( (النساء/161)
6/ واعتبر ربنا سبحانه الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، يقومون بعمل يرفضه العقل؛ مثل أنهم كانوا يكنزون الذهب والفضة، فقال: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الاَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( (التوبة/34)
7/ ومن مصاديق أكل أموال الناس بالباطل، الإدلاء بها الى الحكام، حيث قال سبحانـــه: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( (البقرة/188)
8/ وإستثنى الله تعالى من أكل أموال الناس، صورة التجارة عن تراض، حيث أنها وسيلة لتبادل الأموال، ولا يكون يومئذ أكلاً للأموال بالباطل. قال الله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً( (النساء/29)
9/ ومن مفردات الظلم المالي التي نهى الشرع عنها، السرقة التي جعل جزاءها شديداً، حيث قال ربنا سبحانه: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( (المائدة/38-39)
ونستفيد من سياق الآية إن السرقة ظلم، فتعمها الآيات التي دلت على حرمة الظلم وشدة جزاء الظالمين.
10/ وأكد الشرع على النهي عن ظلم الزوجة، فقال سبحانه: (وءَاتُوا النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً( (النساء/4)
11/ وخصّ الذكر بعض الأنواع الشائعة من الظلم بحق النساء، فقال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلآَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً( (النساء/19)
وهكذا حرّم الضغط على الزوجة حتى تتنازل عن بعض صداقها، حيث ان الرجل يدير شؤون زوجته فتكون ضعيفة أمامه، فيستغل ذلك بعض الرجال في ظلمها.
12/ كذلك نهى ربنا عز وجل عن منع الزوجة صداقها إذا أراد الزوج أن يطلقها بعد الدخول عليها، فقال سبحانه: (وإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَاقاً غَلِيظاً( (النساء/20-21)
13/ ونهى الله تعالى بشدة عن أكل أموال اليتامى ظلماً، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً( (النساء/10)
14/ ومن الظلم المالي الشائع الذي نهى عنه الدين بشدة، التطفيف في المكيال والميزان. قال الله سبحانه: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ( (المطففين/1-2)
وقد سبق الحديث عن وجوب الوفاء في المكيال والميزان. (1)
15/ ونهى ربنا سبحانه عن الظلم الخفي الذي سمّاه بالغل، حيث قال: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ( (آل عمران/161)
حيث إن من مصاديق الغل، إستغلال الفرد مركزه في الحصول على الأموال بصورة غير مشروعة؛ مثل الجور في تقسيم الأموال، أو السرقة من بيت المال.
16/ ومن الظلم منع الكفار حقهم إذا التحقت نساؤهم بالمسلمين، حيث أمر القرآن بايتائهم ما أنفقوا عليهن من الصداق. قال الله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَآ أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْأَلُوا مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَآ أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( (الممتحنة/10)
17/ وتبديل الوصية يعتبر من الظلم المالي الشائع، والذي نهى القرآن عنه. قال الله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (البقرة/180-181)
من هذه الآيات نستفيد البصائر التالية:
أ- إن القسط الذي من أجله بعث الله رسالاته، إنما هو مظهر من مظاهر العدل الذي أمر به الرب سبحانه، وهو بخلاف الظلم الذي نهى عنه ربنا سبحانه بشدة، حيث اعتبرت آية كريمة السرقة من مصاديق الظلم، إذ جاء في القرآن الكريم: (قَالُوا جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَآؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ( (يوسف/75)
وهكذا يكون من أهم أهداف التجارة عن تراض، إقامة القسط ومنع الظلم. وقد قرأنا في الآيات السابقة كيف أن الله سبحانه ذكرنا بأنواع شائعة من الظلم المالي والتي نهى عنها بشدة، وبالذات ما خفي منها كالغل والتطفيف، أو كان بحق الضعفاء كالزوجة واليتامى.
ب- إن التجارة وحدها لا تكفي تبريراً لأكل أموال الناس، بل لا بد أن تكون التجارة عن تراض. فأساس أكل المال الحلال، طيبة نفس صاحبه، حيث جاء في الحديث عن سول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: "لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه". (1)
ج- أكل أموال الناس حرام، إلاّ إذا كان بمبرر شرعي كاف؛ٍ لا فرق بين أن يكونوا مسلمين او غير مسلمين، لأن في بعض الآيات السابقة عموماً وإطلاقاً، ولأن الله عاب على اليهود أكلهم أموال الناس من غيرهم وقولهم أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، ولأن ذلك ظلم والظلم حرام، وهو منافٍ للقسط الذي أمرنا به.
وهكذا نحصل على قاعدة فقهية هامة هي إحترام أموال الناس (إلاّ في الموارد التي يلغي الشرع حرمتها).

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب