فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ثانياً: توافق الإرادتين
للعقد أركان هي التي لولاها لم يقدم أحدهما أو كلاهما عليه، وله أجزاء وشرائط لا تعتبر أساسية في نظر المتعاقدين.. فالثمن والمثمن وطبيعة العقد الذي عليهما أنه بيع أو صلح أو إيجار أو ما أشبه، هذه عادة من أركان العقد. وقد يصبح نوع الثمن أو المثمن ومكان تسليمهما أو صفاتهما من أركان العقد، إذا كان محور تراضيهما الذي من دونه لم يتباينا عليه. والمعيار في ذلك، أن يتم التراضي والتوافق بينهما. فلو إختل هذا التراضي، فقد العقد جوهره. وإليك بعض حقائق هذا المعيار.
1/ إذا كان العزم موجوداً في أحد الطرفين دون الآخر، لم تنعقد المعاملة، كما إذا تم الايجاب ولم يتم القبول.
2/ إذا كان محور العقد ليس واحداً عند الطرفين؛ فكان أحدهما يقصد البيع، بينما الثاني يقصد التبرع، أو كان أحدهما يبيع البيت والثاني يشتري السيارة. وهذا يدخل ضمن الغلط في العقد، والذي ينقسم الى ثلاثة أنواع:
أ- ما كان يفقد أصل التراضي (أو قل التباني والتوافق) كالمثلين السابقين، فالعقد لم يتحقق. وكذلك لو تزوج بإمرأة فإذاً هي ذات بعل، فلا يتحقق النكاح.
ب- إذا كان التوافق موجوداً بنسبة معينة، فإنه قد يصحح العقد بالإجازة؛ كما إذا إشترى سيارة باعتبارها من طراز معين، فإذا هي من طراز آخر، فان للمتضرر حق فسخ البيع، وله الحق في إمضائه. والمعيار هو الخلل في إرادة أحد الطرفين، خللاً غير جوهري.
ج- إذا كانت هناك صفة باعثة لطرف على إجراء العقد، ولكنها لم تكن ضمن التراضي؛ مثلاً إشترى أرضاً بزعم أن الدولة سوف تفتح شارعاً عليها، ثم تبين غير ذلك، فإن ذلك لا يوجب بطلان العقد ولا جواز فسخه. والمعيار في مثل هذا الغلط غير المضر بالعقد أنه لا يشكِّل أيّ خلل في توافق المتعاقدين، وإنما في أمور خارجة عنه.
3/ إذا تأخر القبول عن الإيجاب صح العقد، ولكن إذا سحب الموجب إيجابه قبل قبول الطرف الثاني فقد التراضي، وهكذا بطل العقد.
4/ لأن محور العقد توافق الطرفين، فان العرف الخاص مقدم في مقام الثبوت على العرف العام، وعرف البلد على عرف القطر، وعرف الدولة على العرف الدولي. وذلك لأن المعيار في العقد تراضي المتعاقدين، ولأن رضاهما ينطلق من عرفهما، فهو مقدم. وكلما كان العرف أقرب اليها كان أولى عندهما؛ مثلاً إذا كان كيل السوق الذي يتعامل فيها المتعاقدان يختلف عن كيل البلد أو ميزان البلد يختلف عن ميزان الدولة، فإن كيل السوق أو البلد مقدمان، وهكذا في النقد وفي شرائط البيع، وصفات المبيع وما أشبه..
5/ لأن المعيار هو التراضي، والرضا أمر قلبي، فان معيار العقد هو الرضا الواقعي، وليس ما يجري على اللسان. فإذا إختلف فقال بلسانه شيئاً وقصد بقلبه شيئاً آخر (بالخطأ)، فإن الرضا القلبي إذا عرف يقيناً هو الأصل، لأن التراضي وقع عليه.
وفي هذا الحقل تختلف المدارس القانونية الى ثلاثة؛ فالمدرسة اللاتينية أو الفرنسية تأخذ بالإرادة الحقيقية أو الباطنية ولا تعول على التعبير، أما المدرسة الألمانية فتقف عند المظهر الخارجي فقط فتعتد بالإرادة الظاهرة، وذلك لأن العقد - عندها- ظاهرة إجتماعية ولا بد من حمايتها من التزلزل. أما القانون المصري فإنه يتوسط بين المدرستين، فهو يأخذ بالإرادة المعلنة وهي أساساً الإرادة الباطنة بالقدر الذي تكون فيه قد أعلنت للناس. (1)
ويبدو أن الصحيح هو الأخذ في مقام الثبوت بالإرادة الباطنة، وفي مقام الاثبات بالإرادة الظاهرة. وهذا ما بيّناه في كتابنا الفقه الاسلامي. (2)
ومن هنا قال العلامة النجفي في الجواهر تعليقاً على كلام بعضهم في تقديم عرف الشرع على عرف المتعاقدين، قال: وهو من غرائب الكلام إذا أراد تقديم العرف الشرعي على العرف الخاص للمتعاقدين، ضرورة تبعية عقدهما لقصدهما. (3)
ويبدو أنه أشار -بهذا التعبير- الى الكلمة المعروفة عند الفقهاء "العقود تابعة للقصود" ويساويها الكلمة المعروفة عند فقهاء القانون: العقد شريعة المتعاقدين.
6/ ومن مصاديق هذا المعيار (معيار التراضي) حكم الاشتباه في التطبيق. فمن أقدم على نكاح فتاة حسب أحكام الشرع ورأي العرف العام وكان جاهلاً بالشرع والعرف، فصرّح بشرط زعم أنه من العرف أو الشرع، فإن الصحيح رضاه الواقعي الذي بنى عليه عقده، وهو حكم الشرع ورأي العرف؛ مثلاً عقد على أساس أن المهر الغائب ليس واجباً عليه شرعاً وإنما هو نوع من التشريفات الظاهرية، أو زعم إن تكاليف الوليمة على أهل المرأة عرفاً، بينما الصحيح هو أن المهر لازم سواءً كان غائباً أو حاضراً، وإن تكاليف الوليمة عند العرف على الزوج. فلو سألنا الرجل هل كان قصدك من عدم وجوب المهر الغائب أنك تخالف ما يوجبه الشرع؟ قال: كلا؛ وكذلك نفى أن يكون مخالفاً لما يجري عليه العرف. ففي مثل هذه الحالة، المعيار هو رضاه الواقعي المطابق للشرع والعرف، وليس خطأه في التطبيق. (1)
7/ ومن حقائق هذا المعيار (التراضي) تمييز الركن الأساسي في العقد عن غيره؛ وبتعبير آخر معرفة سلم الأولويات عند المتعاقدين، إذ يختلف الناس في أولوياتهم. فلو إشترى أحدهم كتاباً بزعم أنه بخط مؤلفه بينما كان بخط غيره، فإن هدفه الأساسي من شراء الكتاب مثلاً تحقيق الكتاب والذي لا يمكن إلاّ أن يكون بخط مؤلفه، فإن العقد يصبح باطلاً، لأن ما اشترطه كان أساسياً عنده. أما لو لم يكن ذلك مهماً عنده، فالأمر مختلف.
وهكذا التوافق هو أساس العقد، وجوهره الرضا، ورضا الناس مختلف. ولعل هذا المعيار ينفعنا في معرفة مدى تأثير الشرط الفاسد في إفساد العقد. فإن كان الشرط جوهرياً عند المتعاقدين، أفسد العقد وإلاّ فلا؛ فمثلاً لو كان هدف دكتور في الطب أن يتزوج دكتورة لتساعده في إدارة مستشفى، فاقدم على إمرأة واشترط أن تكون طبيبة، فلما عقد عليها عرف أنها ليست كذلك، فإن الشرط هنا عنده أساسي، حيث إنه لم يقدم عليها إلاّ لذلك. فاذا افترضنا فساد شرطه كأن اشترط أن تكون المرأة راقصة وأرادها لإدارة مرقص أو بار، وكان ذلك فقط هدف العقد، فان فساد الشرط مبطل للعقد.
ومن هنا قال الشيخ الأنصاري (ره): إن القيود المأخوذة في المطلوبات العرفية والشرعية (قسمان: ركن وغير ركن) ما هو ركن المطلوب ككون المبيع حيواناً ناطقاً (أي انساناً) لا ناهقاً حماراً. ومطلوب الشارع كالغسل من أجل الزيارة، فإن العرف يحكم في هذه الأمثلة بانتفاء المطلوب لانتفاء هذه القيود. (1)
8/ ومن مصاديق هذا المعيار وجوب الوفاء بالشروط الضمنية التي بني العقد عليها، وتم التراضي
على أساسهما؛ مثل أن ينكح فتاة في بيت أبيها، فالشرط الضمني أن تكون باكرة؛ أو يبيع شيئاً، فالشرط الضمني أن يكون بكيل البلد ونقده وأعراف الشراء فيه، وهكذا..
والسبب في وجوب الوفاء بمثل هذه الشروط، إن أصل العقد التراضي، وهذه الشروط من حدوده..
ثالثاً: الباعث وأثره في العقد
الباعث من مصاديق معيارية التوافق، ولأنه قد اختلفت الآراء فيه، نرجو أن نوفق هنا لاستجلاء الرؤية فيه، مستلهمين ذلك من آية التراضي، ومن أحاديث خاصة فيه.
والسؤال الذي نريد الاجابة عنه هنا هو: الى أي مدى تؤثر نية المتعاقدين - خصوصـاً السيئـة - في العقد؟ فلو نوى شخص شراء بيت للدعارة، وعلم البائع بذلك وباعه، فهل يفسد بيعه أم لا، أم يختلف الأمر؟
والإجابة التي تبدو عندي صحيحة عن هذا السؤال هي: لو كان تراضي الطرفين مبتنياً على هذه النية، فسد العقد وإلاّ فلا.. ولكن كيف توصلنا الى هذه الاجابة؟ نعرف ذلك عبر نقاط:
1/ الباعث (النية) نوعان؛ مباشر وغير مباشر. والذي كان يهتم به الفقه التقليدي للقانون هو الأول، بينما بدء الفقه الجديد يهتم أيضاً بالثاني. وكمثل كل متعاقد يهدف من وراء العقد الحصول على الثمن أو المثمن، وهذا هو المهم الذي يتم التراضي عليه، والذي يؤثر في العقد في الفقه التقليدي. أما ماذا يريد أن يصنع البائع بالثمن (مثلاً يشتري خمراً) أو المشتري بالمثمن (مثلاً يضرّ به الناس) فهو غير مهم عندهم، بينما يهتم الفقه الجديد ببعض الحالات التي سوف نبين إن شاء الله تفصيلاً لها.
2/ في إحدى حالتين يهتم الفقه الجديد للقانون بالباعث؛ الأولى: إذا كانت ضمن دائرة التراضي، حيث إن المسافر يشتري البطاقة لكي يسافر بها، فالسفر هنا باعث الشراء وهو داخل - عادة - في دائرة التعاقد (التراضي). الثانية: إذا كان الباعث غير مشروع وعلم به الطرف الثاني، مما جعله متواطئاً معه؛ مثلاً من باع سلاحاً لعصابة إجرامية وعرف قصدهم منه، فإنه يعد متعاوناً معهم في جرائمهم. (1)
3/ أما في الفقه الاسلامي فقد إختلف العلماء في مدى تأثير القصد؛ فقد أفتى البعض في حرمة وفساد العقد الذي قصد منه البائع وجهاً محرماً، كبيع العنب ليصنع خمراً، والخشب ليصنع صنماً، والحديد ليصنع سلاحاً للقتل الحرام، وكذا إجارة المساكن والسفن لغايات محرمة. (2)
وحملوا عليه الأحاديث التي وردت في حرمة مثل هذه العقود، كالحديث المأثور عن الامام الصادق عن الرجل يؤجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: حرام أجرته. (1)
وما ورد في مكاتبة ابن اذينة عن الامام الصادق عليه السلام أيضاً: عن رجل لـه خشب فباعه لمن يتخذه صلباناً؟ قال: لا. (2)
وهكذا قال العلامة (ره) في كتابه "التذكرة": إجارة السفن والمساكن للمحرمات حرام. والسؤال: هل الحرمة تعني هنا فساد العقد؟ ذهب البعض الى ذلك، إلاّ أن العلامة النجفي قال في كتابه الجواهر: لم نتحققه قولاً لأحد من الأصحاب ممن تقدمه، وإنما هو محكي عن الشافعي وأبي ضيفة ولاريب في ضعفه.
وقال المحقق الخراساني: إن الصحة والفساد، والحلية والحرمة دائران مدار قصد المحلل والمحـرم. (3)
4/ والذي يبدو لي أن الحرمة والفساد في العقد يبتنيان على مدى تأثير الباعث (القصد) في تراضي الطرفين، فان كان كذلك فهو بمثابة شرط فاسد، ويصدق على ذلك التعاون على الإثم والعدوان؛ ومثال ذلك أن يشتري أحد بيتاً لكي يجعله ميتماً فيبيعه البائع بثمن زهيد، فإن قصد المشتري مثل الشرط، فلولا أن البائع عرف قصد المشتري لما باعه. وكذلك لو إشترى أحدهم قطعة من ارض كبيرة لكي يبني فيها مستشفى مما يرفع قيمة القطع المجاورة لها فيخفض البائـع السعر.
وكذلك لو علم البائع أن المشتري سوف يصنع الخمر من عنبه فباعه بسعر أغلى، أو إن الدار التي يبيعها ستتحول الى بيت دعارة، فيبيعها بأغلى. وبالتالي في مثل هذه الموارد يدخل الباعث ضمن دائرة التراضي، فيصبح جزءً من العقد، فاذا كان محرماً أفسد العقد.
وعلى ذلك نحمل أحاديث النهي عن بيع العنب لمن يصنعه خمراً، أو الخشب لمن يصنعه صليباً.
أما في غير هذه الحالة كما إذا جهل البائع قصد المشتري أو علم به، ولكن علمه لم يكن ذا تأثير على المعاملة، فإن الأقوى عدم تأثير الباعث في العقد، وعلى ذلك تحمل الروايات التي أجازت ذلك؛ مثل مكاتبة ابن أذينة قال: كتبت الى أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق) عليه السلام أسأله عن رجل له كرم أيبيع العنب والتمر ممن يعلم أنه يجعله خمراً أو مسكراً؟ فقال عليه السلام: إنما باعه حلالاً في الابان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه. (1)
وقال أيضاً سألته عن الرجل يؤجر سفينته أو دابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير؟ فقال عليه السلام: لا بأس. (2)
وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه برابط؟ فقال: لا بأس. (3)

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب