فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الفصل الأول: عن التوحيد
التوحيد في القرآن الكريم لا تستطيع الخروج من ظلمة الشرك لو لم تخرج من سجن الذات، ومعتقل هوى النفس. وإذا أنعمت النظر لرأيت جذر كل كفر وشرك وعصيان، حب النفس وهواها؛ بل وحتى الذي يعبد الأصنام أو الطغاة فانما يعبد هواه في صورة الطغاة، وشهواته في هيكل الأصنام. فاذا خرجت من حب الذات، وتحديت ظلمات الهوى، فانك تنطلق في رحاب التوحيد باذن الله، بلا قيود وبلا حدود. وبوابتك الى معرفة التوحيد سورة الاخلاص، التي تختصر بصائر الوحي في معرفة الرب ببضع كلمات: (بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيمْ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(. بالرغم من أن كلمة "أحد" مشتقة من "واحد" كما قالوا، إلا أنها أبلغ دلالة على معنى الوحدانية، وأنه سبحانه لا نظير له ولا شريك، ولا أعضاء فيه ولا أجزاء، لا في الواقع ولا في العقل والوهم سبحانه، وليس معنى الأحد والواحد أنه واحد من اثنين، أو أنه نوع من الأنواع، كلا.. إنه الواحد بلا عدد، الأحد بلا مثل ولا شبه. وتتجلّى أحديّة الله في معرفة هيمنته الشاملة على كل شيء، وأنه الفعّال لما يريد، وأن له العبادة، وأن ما يُعبد من دونه ليس بشيء. ومن مظاهر أحدية الله أنه "الصمد" وتشير الصمدية الى حقائق شتى تجمعها بصيرة واحدة، هي أن الله بلا أعضاء وأجزاء، ولا حالات تطرأ عليه سبحانه. وصفة الصمدية تتجلى أيضاً في أنه لم يلد ولم يولد، إذ الولادة دليل إضافة جزء إليه لم يكن فيه أو انفصال جزء منه كان فيه، والصمد الذي لا أجزاء له لا يتصور فيه زيادة (بالتولد) ولا نقيصة (بالإيلاد). وإذا اهتدينا الى أن الله صمدٌ لا جزء له، ولا تطور، ولا ولادة، فقد ارتفع الحجاب الأكبر الذي بيننا وبين الله، حجاب التشبيه الذي ينشأ من جهل الإنسان ونقص مداركه. فلأن الإنسان لا يرى إلاّ نفسه والمخلوقات، يقيس خالقه بنفسه طوراً، وبالكائنات أطواراً، غافلاً عن أن هذا القياس يتنافى والإعتقاد بالخالق أصلاً، إذ نقرأ في ختام سورة الاخلاص: (وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(. أكبـر شهـادة قال الله سبحانه: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْءَانُ لأُِنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ الِهَةً اُخْرَى قُل لآ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ( (الانعام/19) تتلاحق الأحداث، وتترى الظواهر، وتجري سفينة الحياة في بحر عال الموج، عاصف الريح، ولكن وراء تلك الظواهر أنظمة حكيمة تمسكها، والله من وراء تلك الأنظمة يمسك زمامها ويوجهها؛ فالله هو غيب الكون - الذي لا يخلو منه مكان - وهو شاهدٌ على كل شيء، وحاضرٌ عند كل شيء، وكل شيء آية له، لأنه منه ومعه وإليه. فالله إذاً أكبر شهادة من أي شيء. إنه يدل على ذاته بذاته، ويدل على كل شيء؛ إنه يعطيك السمع والبصر والبصيرة، ويتجلى بآياته في مهرجان الحياة، حتى تعيش معه في كل لحظة ومع كل شيء. يبقى أنت الذي قد تغيب عن ربك (دون أن يغيب عنك)؛ إنه قريب المسافة، بينك وبينه لحظة الالتفات والتوجه. ولكي لا تغيب عنه، ولكي تتكامل ذاتك الى مستوى العيش مع ربك، أرسل الله الأنبياء وزودهم بالكتاب لينذرك، لأن الانذار أقرب الطرق الى قلب البشر. آيات التوحيـد قال الله سبحانه: (وإِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمآءِ مِن مَآءٍ فَاَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمآءِ وَالأَرْضِ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( (البقرة/163-164). إن هذه الآيات تدعونا الى التوجة الى الله وحده، ونبذ الأنداد من دونه. وهذه الدعوة تتصل بفطرة الانسان الراسخة في حب من أحسن إليه، ومن أعظم إحساناً علينا من الله سبحانه؟ ولكي يكرس القرآن الكريم هذه الفكرة، يوجهنا الى فطرتنا، ويأمرنا بالنظر الى آيات الله في السماء والأرض، خصوصاً تلك التي تعكس رحمة الله الواسعة والمستمرة، من اختلاف الليل والنهار، وجريان الفلك في البحر، ونزول الماء من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وبث الدواب فيها، وتصريف الرياح، وتسخير السحاب و.. و.. إن هذه الآيات ومئات غيرها تدل بوضوح على وحدانية الله عز وجل. إله واحـد وقال الله عز وجل: (لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبـُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ( (النحل/51-52) الكافر يخضع لما هو خاضع لله؛ يخضع للشمس والقمر والنجوم، يخضع للأنوار والأشجار والأحجار، يخضع للثروة والقوة والدعاية. كلا، لماذا يَـرهب الإنسان جانب الطبيعة حتى يعبدها من دون الله، ولماذا يرهـب الطاغوت حتى يستسلم لـه؟ إن أكثر ما تتم العبادة من جانب البشر للأشياء، إنما تتم بسبب الهيبة والرهبة، ألا فلتسقط هيبة الطبيعة، ألا فلنرهب ربها وخالقها فقط. وإذا تجاوزنا الخشية من الطبيعة، وتحررنا من رهبتها، أسلمنا الوجوه لرب العالمين، وخضعنا لحاكميته وسيادته القانونية وحده، وبالتالي لدينه الخالص. كمال التوحيـد قال الله سبحانـه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ( (الممتحنة/4) لا يكتمل ايمان العبد بربه الأحد إلاّ إذا تبرأ من كل ما هو دون الله، فنبذ عبادة ما سوى الله، ورفض الخضوع لكل من يكفر بالله. فالتوحيد يكتمل بالكفر بالجبت والطاغوت.. فقد كان النبي ابراهيم عليه السلام يتيماً يحتاج الى الحماية الاجتماعية والاقتصادية، ولكنه لم يخضع لعمه آزر الذي كان يعبد الأصنام، طمعاً في توفير تلك الحماية، بل مضى قدماً على نهجه الحنيف في التمسك بالتوحيد ورفض ما سوى الله سبحانه. فلم يَتَحَدَّ الكفار اعتماداً على عمه ولا على قومه، بل تحدى قومه بدءاً من عمه، وتحدى كل الشرك بدءاً من قومه، فأصبح أسوة المؤمنين في تكميل ايمانهم بالله وتوحيدهم له برفض كل ما سواه. (3)
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|