فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
التوحيد في السنة الشريفة حق معرفـة الله كيف تتحقق معرفتنا لله عز وجل؟ وكيف تكون معرفتنا حق المعرفة؟ ومتى يكون توحيدنا لله سبحانه خالصاً من كل شائبة؟ لنستمع الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يجيب على من سأله قائلاً: ما رأس العلم؟ فقال رسول الله: معرفة الله حق معرفته. قال السائل: وما حق معرفته؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: "أن تعرفه بلا مثال ولا شبه، وتعرفه إلهاً واحداً خالقاً قادراً أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، لا كفو له ولا مثل له. فذاك معرفة الله حق معرفته". (4) أدعـو الـى الله في كل تطورات الحياة وتقلباتها يلمس الإنسان بكل وجوده آثار خلق الله وهيمنته وقدرته، فعندما يصيبه الضر يجأر إليه ويدعوه لكي يكشف عنه ضره فيتحسس قدرته اللامتناهية، وحين يواجه مكروباً يستعين بـه فيعينه الله سبحانه.. وهكذا في كل تحولات الحياة الأخرى. أتى النبي صلى الله عليه وآله رجل من بني تميم يقال له أبو أمية، فقال: الى ما تدعو الناس يا محمد؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وأدعو الى من إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن استعنت به وأنت مكروب أعانك، وإن سألته وأنت مقل أغناك". (5) بِمَ عرفت ربك؟ إذا تدبر الإنسان في الخلق والخالق، عرف بفطرته تبايـن الخالق عن الخلق، فالمخلوق تحده الجهات، وله صورة مادية تُحس وتُلمس، ولـه قُرب وبُعد، ويتوالد بعضه من بعض، ويتداخل بعضه في بعض.. أما الخالق فليس يشبه خلقه في شيء من ذلك، سبحانه وتعالى عن كل ذلك علواً كبيراً. فلقد سئل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: بمَ عرفت ربك؟ قال: "عرَّفني نفسه". قيل: وكيف عرَّفَك نفسه؟ قال: "لا يشبهه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس بالناس. قريب في بعده، بعيد في قربه. فوق كل شيء ولا يقال شيء فوقه. أمام كل شيء ولا يقال لـه أمام. داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء. وخارج مـن الأشياء لا كشيء خارج من شيء. سبحان من هو هكذا، ولا هكذا غيره، ولكل شيء مبتدء". (6) نفي الصفات إذا تفكرنا في الخلق وجدنا فيه صفات نقص وضعف فتتحول الى صفات كمال وقوة، ثم تعود الى النقص والضعف. فهو جاهل فيصبح عالماً بالتعلم، ثم يجهل بالنسيان والسهو، وهو عاجز فيصبح قادراً بالتمرس ثم يعجز بالمرض والشيخوخة، وهو صغير فيكبر ثم يعود متضائلاً صغيراً، وهو فقير فيستغني بالكسب أو غيره، ثم يعود فقيراً حين يخسر كل شيء، وهكذا.. ولكن هذه الصفات وتغيراتها لا تصدق بحق الخالق عز وجل إذ توحيده يعني نفي الصفات عنه، لأن طُرُوّ هذه الصفات وزوالها يدل على مصنوعية الشيء والله صانع وليس بمصنوع. لنستمع الى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فهو يلقي علينا درساً بليغاً في التوحيد بقوله: "أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده،و نظام توحيده نفي الصفات عنه، جلَّ أن تحله الصفات لشهادة العقول أنّ كل من حلّته الصفات مصنوع، وشهادة العقول أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع، فبصنع الله يستدل عليه،و بالعقول يعقد معرفته، وبالفكر تثبت حجته، جعل الخلق دليلاً عليه فكشف به عن ربوبيته، هو الواحد الفرد في أزليّته، لا شريك له في إلهيته، ولا ندَّ له في ربوبيته...". (7) ذلكم الله رب العالمين جاء رجل الى الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، فقال له: يابن رسول الله؛ صف لي ربك، حتى كأني أنظر إليه. فأطرق الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ملياً، ثم رفع رأسه، فقال: الحمد لله الذي لم يكن لـه أول معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، ولا أمد بـ (حتى)، ولا شخص فيتجزّأ، ولا اختلاف صفة فيتناهى. فلا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفِكَر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها صفته فتقول: متى؟ ولا بُدئ مما، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما، ولا تارك فهلا. خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً؛ إبتدأ ما ابتدع، وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد من استـزاد. ذلكم الله رب العالمين". (8) ما هو التوحيد؟ لا نحتاج للاجابة على هذا السؤال أن نلجأ للأبحاث الفلسفية والكلامية المعقدة التي قد لا تزيدنا من الله إلاّ بُعداً، فالسنة الشريفة هي أفضل مصدر لذلك، فهي توجهنا الى حقيقة التوحيد عبر إثارة عقولنا وهدايتنا الى فطرتنا السليمة، بعبارات وجدانية بسيطة وواضحة.. لنصغ الى عدد من الروايات في هذا المجال: 1- عن عبد العزيز بن المهتدي، قال: سألت الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن التوحيد، فقال: "كل من قرأ: قُلْ هُو الله أحَدْ وآمن بها فقد عرف التوحيد". (9) 2- روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنه سأله رجل فقال له: إن أساس الدين التوحيد والعدل، وعلمه كثير، ولابد لعاقل منه، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه ويتهيأ حفظه. فقال عليه السلام: "أما التوحيد فأن لا تجوِّز على ربك ما جاز عليك، وأما العدل فأن لا تنسب الى خالقك ما لامك عليه". (10) 3- قام رجل الى الإمام الرضا عليه السلام فقال له: يابن رسول الله؛ صف لنا ربك، فان من قبلنا قد اختلفوا علينا. فقال الإمام الرضا عليه السلام: إنه من يصف ربه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل. اُعرِّفه بما عرَّف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة؛ لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه، ومتدان في بُعده لا بنظير، لا يُمثَّل بخليقته، ولا يجور في قضيته. الخلق الى ما علم منقادون، وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماظون، ولا يعملون خلاف ما علم منهم، ولا غيره يريدون. فهو قريب غير ملتزق، وبعيد غير متقص، يحقق ولا يمثل، ويوحد ولا يبغض، يُعرف بالآيات، ويثبت بالعلامات، فلا إله غيره، الكبير المتعال". (11) أدنى المعرفـة ما هي أقل درجات معرفة الله عز وجل؟ هذا السؤال أجاب عنه الإمام أبو الحسن عليه السلام في رواية الفتح بن يزيد، حيث سأله عن أدنى المعرفة، فقال الإمام عليه السلام: "الإقرار بأنه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، وأنه قديم مثبت، موجود غير فقيد، وأنه ليس كمثله شيء". (12) لا تفكـروا فـي الله مادام الله هو خالقنا وصانعنا، وهو أكبر منا يحيط بنا ولا نحيط به علماً، فلماذا التفكر في ذات الله؟ إن هذا التفكر يزيد الانسان تيهاً وضلالاً، وقد نهتنا السنة الشريفة عن ذلك: قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: "إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا الى عظمته فانظروا الى عظيم خلقه". (13) وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "إياكم والتفكر في الله، فان التفكر في الله لا يزيد إلاّ تيهاً. إن الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولا يوصف بمقدار". (14) وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: "تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله، فان الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيراً". (15) ثمن التوحيد إذا كان أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده - كما في الرواية السالفة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - فإن التوحيد يكون أساس كل شيء في الحياة، وبناءً عليه أو على عدمه تكون الجنة أو النار. فالتوحيد هو باب الجنة، والشرك بالله ظلم عظيم يولج الله صاحبه النار. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "التوحيد ثمن الجنة". (16) وروي عن الإمام علي عليه السلام في قول الله عز وجل: (هَلْ جَزاء الإحْسَان إلاّ الإحْسَان(، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عز وجل قال: ما جزاء من أنعمتُ عليه بالتوحيد إلاّ الجنة". (17) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله جل جلاله: "لا إله إلاّ الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي". (18) وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى حرم أجساد الموحدين على النار". (19) أفضل الأعمال عن محمد بن سماعة، قال: سأل بعض أصحابنا الإمام جعفر الصادق عليه السلام، فقال لـه: أخبرني أي الأعمال أفضل؟ قـال: "توحيدك لربك". قال: فما أعظم الذنوب؟ قال: "تشبيهك لخالقك". (20)
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|