فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الثالث: عن الرسالة والرسول
الرسالة والرسول في القرآن الكريم

قال الله سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(
(الحديد/25)
إن الله أرسل الرسل دليلاً إليه وتعريفاً للناس به تعالى، فهم يتحملون مسؤولية محددة هي تبليغ رسالة الخالق الى المخلوقين، وهدايتهم الى معرفته، والايمان بـه، والعمل برسالته. فالرسل هم السفراء بين الخالق والمخلوق، وحبل الله الممدود من السماء إلى الأرض.
ولكن كيف نعرف صدقهم وصدق دعوتهم من بين القادة المنحرفين والدعوات الضالة؟
القرآن يجيب: (بِالبَيِّنَاتِ( ولهذه الكلمة معنيان يبدو أنهما معاً مقصودان بهذه الآية:
1- تفاصيل الهدى المتمثلة في البصائر والمناهج المنبثقة منها، واشتمال رسالات الأنبياء على هذه التفاصيل دليل على أنها وحي من عند الله، إذ قد يهتدي إنسان أوتي صفاء النفس الى بعض معاني الغيب، ولكن أنّى للانسان أن يأتي بهذه المنظومة المتكاملة من البصائر الغيبية، فليس ذلك إلاّ دليل إتصاله المباشر بالوحي.
2- الحجج والآيات التي تهيمن على النفس والعقل، كالمعاجز والخلوص من الهوى والمصلحة، والتمحّض للحق. وهذا يهدينا إلى أن الرسالات الإلهية قائمة قبل كل شيء على الإقناع، لأنه الذي ينمي الإيمان في النفس، ويحرّكه بفاعلية أكبر وأبقى من أي عامل آخر. وحينما يتخلف أحد من المؤمنين عن الاستجابة للرسول وللوحي فإنّ ذلك يدل على تزلزل قناعاته.
ولأن الإيمان بالرسل لا يؤتي ثماره إلاّ إذا تحول الى نظام تربوي، اجتماعي، اقتصادي، سياسي، ثقافي شامل لجوانب الحياة، يكفل للبشرية السعادة، أنزل الله مع رسله شريعة متكاملة الى جانب البينات متمثلاً بالكتاب: (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ(.
الرسل ومسؤولية الإنسـان
ليس الهدف من بعث الرسل هو سلب المسؤولية عن الناس وإلقائها على عاتق الأنبياء، كما كان يزعم البعض، فقد تطرق فريق من الناس فزعموا إن الرسول إنما يأتي ليكون مسؤولاً بدلاً عنهم، أو ليجبرهم على الهدى، أو حتى ليؤمِّن لهم عملياً كل وسائل السعادة. ولكن الله يفنِّد هذا الزعم قائلاً:(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ( (الانعام/48)
فالهدف من بعث الرسل هو توفير وسيلة الأمان في النفوس وفي الواقع. فالذين يؤمنون بالرسل ويتبعونهم لا خوفٌ عليهم من المستقبل، مما يدل على وجود حالة السلام في أنفسهم، ولا هم يحزنون من الماضي مما يدل على وجود السلام في الواقع الخارجي حيث لا يصيبهم ما يحزنون بسببه لتمسكهم بمناهج الرسل.
غاية الرسـل
إن الغاية من بعث الرسل هي: التبشير بحياة أفضل، والتحذير من الهلاك، حتى لا يقول الناس غداً: ربنا لِمَ لَمْ تبعث إلينا الرسل حتى لا نضل ولا نقع في الهلاك. إن هذا الهدف العقلاني لدليل على إن الله قد بعث الرسل بالتأكيد، ثم لأن الله قادر على بعث الرسل، ولأنه حكيم فهو لا يعذب البشر قبل أن يقطع عليهم الحجج، ويسوق إليهم الأعذار. قال الله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً( (النساء/165)
لا.. للاكـراه
من آثار رحمة الله أنه لم يبادر الى إنزال العقوبة بعباده فور إنحرافهم عن الدين القيِّم، مما يعرّضهم للاصطدام بالسنن الإلهية. كلا؛ وإنما أنذرهم عبر رسله.
أرأيت لو شاهدت طفلاً يلعب على حافة جبل، أولستَ تخشى عليه السقوط وتسعى بكل جهدك أن تردعه؟ كذلك رسل الله سعوا من أجل إيقاف سقوط الأمم في وديان الفساد. ولكن ذلك لا يعني أبداً إكراه الناس على الهداية، بل الذين أجرموا تعرضوا لانتقام الرب في النهاية، أما المؤمنون بالرسل فكان حقاً على الله أن ينصرهم. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ( (الروم/47)
للناس كافـة
قال الله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ اِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ( (سبأ/28)
إن ما يميز رسول الله صلى الله عليه وآله عن سائر الأنبياء عليهم السلام، أنه بُعِثَ لعامة الناس، إذ لم تختص دعوته بجماعة دون أخرى، ولا بقوم دون آخر. وهذا بذاته دليل على صدق رسالته، ذلك أن الانسان مهما حاول التجرد فانه يبقى ابن بيئته التي تعكس عليه آثاره في واقع الثقافة، كما تعكس عليه الآثار الطبيعية. وهكذا حين يأتي الرسول برسالة تتجاوز القومية والعنصرية والاقليمية، نظرياً وعملياً، فان ذلك يكون دليلاً على أن رسالته إلهية.
الرسول أسوة
قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً( (الأحزاب/21)
معرفة الرسول والاقتداء به لا يمكن إلاّ للانسان المؤمن والعارف بالله، لأن الرسول جاء من عند الله، وكلما ازداد الانسان معرفة بربه ازداد معرفة بنبيه. وقد جاء في الدعاء: "اللهم عرّفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرّفني نبيك فانك إن لم تعرفني نبيك لم أعرف حجتك، اللهم عرّفني حجتك فانك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني".
أما الذي يكون هدفه شهواته أو زينة الدنيا، فانه لا يستطيع الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله، الذي أخلص نفسه ووجهه لله، وزهد في درجات هذه الدنيا الدنية، وزخرفها وزبرجها.
ليظهره على الدين
قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( (التوبة/33)
لقد بعث الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله لتحقيق هدفين أساسيين، هما:
1- توفير فرصة الهداية للناس حتى يتم الحجة عليهم. والهدى هو الوصول الى الحقيقة، ولا يصل البشر الى الحقيقة إلاّ بالعلم بها والتسليم القلبي لها. ذلك لأن العلم الذي لا يشفعه الإيمان لا يكفي، إذ يبقى الجحود والغفلة حاجزاً بين البشر وبين الحقيقة.
2- إقامة سلطة الحق؛ سلطة العدالة والقانون؛ سلطة القيم والمبادئ، وذلك في مقابل سلطة القوة التي هي شريعة الغاب ومنطق الجبارين. ومن الواضح إن المجتمع إما تسوده شريعة الغاب أو شريعة الله؛ شريعة الحـق أو شريعة الباطل، لأن الله تعالى الذي خلق الحياة، منح قدراً من الحريـة للناس، إلا أن العاقبة هي للحق. ولقد تنامت أمواج الرسالة في العالم منذ انبعاث الرسول العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله والى اليـوم. أوليس ذلك دليلاً على تحقق وعد الله في ظهور الإسلام على الدين كله؟
طاعة الرسـول
قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( (آل عمران/132)
حين يتطهر المجتمع من الاستغلال، يتطهر من أكبر أسباب التمرد والنفاق، ويستعد لطاعة الرسول، خصوصاً لدى تحكيمه في الخلافات العرقية والقومية والمصلحية، بين فئات المجتمع. وطاعة الرسول تستدرج الرحمة والرفاه، لأنها تقضي على نوازع الشر، وأسباب الخلاف والتمرد، وتوجه الأمة كلها باتجاه البناء في ظل اطمئنان وارف يشعـر الجميع فيه بأن جهودهم لن تذهب سدى.
التقدم والطاعة
قال الله تعالى: (وَمَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً( (النساء/80)
إن طاعة الرسول هي طاعة الله، لا اختلاف بينهما ولا تناقض؛ إذ أن الرسول إنما يبيِّن كتاب الله، ولولا طاعة الرسول لانهار بناء التوحيد. وهذا التماسك في المبادئ الاسلامية والتكامل والوحدة فيها لدليل على أنها من الله تعالى، إذ أن أي مبدأ بشري لابد أن تجد فيه تناقضاً بين الأيدلوجية والتشريع، وبين بنود الأيدلوجية ذاتها، وبين قوانين التشريع مع بعضها.
وعلى هذا فان حاجة الأمة الى الطاعة المبدئية هي أكبر من حاجتها الى أي شيء آخر، إذ التعاون والتطوير، والمواجهة مع الأعداء، وبناء وإعداد الجبهة الداخلية.. كل تلك نتيجة مباشرة للطاعة؛ وإنما تتقدم الأمم بقدر تماسكها واندفاعها ووحدة مسيرتها، وهي كلها تأتي نتيجة الطاعة.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب